Atwasat

المدينة المقموعة: في نقد التنجيع الثقافي

بوابة الوسط - القاهرة الخميس 01 مايو 2025, 12:43 مساء

«شن قعدلي غير ناس يهمشوني
غير ناس يشيبوني..
غير ناس عطيتهم شكلي ولوني
عطيتهم لهفة عيوني
ناس يستنوا رحيلي.. باش يزهو بالسواد».
الراحل أحمد الحريري

بداية الألفية الثالثة نشرتُ من الخارج مقالا على الإنترنت بعنوان «التنجيع الثقافي»، مفاده أن فرض سمة البادية والنجع على ليبيا قد لا ينسجم مع مدن مثل طرابلس وبنغازي، ولا حتى مصراتة والأمازيغ (مثلا)، ولا طبيعة المدن، حيث لم يعش هؤلاء في الخيام!! ثم نشر الأصدقاء في مصراتة عبر صحيفة «أسواق» المقال، فوقع استدعاء مسؤول التحرير يومها، د. محمد مليطان، للتحقيق. سمعت بالقصة بعد الثورة كتأكيد لكون النجع ليس ذوقا، بل حبكة سلطة واعية جداً.

وهكذا ففي سردية التاريخ الثقافي الليبي، لا يمكن تجاهل الاستراتيجية العميقة التي اعتمدها النظام السابق لتكريس ما يمكن تسميته «ثقافة النجع»؛ ليس بوصفها تمظهراً طبيعياً لتعدد الهوية الليبية، بل باعتبارها أداة سياسية للسيطرة الرمزية، وتعميم ذائقة جزئية بوصفها المعيار العام للانتماء والذوق والهوية.

المسار لم يكن طارئاً أو عرضياً، بل تراكب ضمن مشروع سلطوي متكامل، اشتبكت فيه الأدوات الاقتصادية والسياسية والثقافية من أجل تجفيف منابع المدينة ككيان ثقافي، حداثي، تعددي، كان يشكل تهديداً لخطاب «الأصالة المؤدلجة». هكذا صار ابن المدينة هو «المخنث - الجبان - الطارئ - السطحي»، وابن البادية والنجع هو «الفارس» و«الكريم» وصاحب الفزعة، والأصيل الثابت وصدى الوطن.

لقد مثّل «التنجيع» نمطاً من التعميم القسري لذائقة جغرافية ضيقة، جُعلت تتسرب تحت ستار «الهوية الأصيلة»، فتم اختزال ليبيا في صورة الصوت الواحد والزي الواحد والتعبير الواحد، بينما كانت طرابلس وبنغازي تهمشان عنوة وتدريجيا، وهما المدينتان الأكثر إنتاجاً ثقافيا في فضاءات الموسيقى والفكر والبحث والتعدد.

لم يكن هذا الاعتداء ناعماً، بل اتخذ شكلاً بنيوياً ممنهجاً: من تهميش النخب الموسيقية والفكرية إلى سحق رأس المال الوطني عبر بوابة الاشتراكية الزائفة، ثم إحكام القبضة على المؤسسات البحثية والجامعية التي كان يمكن أن تحتضن تنوعاً وطنياً حيوياً.

في هذا السياق، لم تكن اللغة الإنجليزية وربطة العنق مجرد رموز لحداثة مغتربة، بل تحوّلت إلى علامات للريبة والرفض من قِبل سلطة كانت ترى في كل ما هو مديني ومفتوح على العالم تهديداً لسلطتها الرمزية. لقد جرى تصوير التعدد العرقي كـ«تابو»، والتنوع اللغوي كـ«مؤامرة»، والاختلاف الذوقي كـ«خيانة» للهوية.

لا يُمكن أن نقرأ مصائر أسماء: فرج المذبل، فضل المبروك، سليمان الترهوني، خديجة الجهمي، يوسف بن صريتي، سليمان الدرسي، أحمد الحريري، سلام قدري، وغيرهم (وأعتذر لاستحالة الحصر) إلا في هذا الإطار.
أسماء صنعت معمارا ثقافيا فنيا موسيقيا جماليا ومدنيا للهوية الليبية، ثم طُمست، ونُسيت، وجرى إسكاتها لمصلحة صوت واحد صممه علي الكيلاني ومن معه - رغم إبداعه - وفقا لذائقته الشخصية ومرجعيته الاجتماعية وبُعدها القبلي السلطوي، بعدما تم اختياره وتلميعه، وجعله الممثل الشرعي والوحيد لليبيا الثقافية بدلا من تجاوره مع الآخرين.

حتى محمد حسن، الذي استحق عن جدارة مكانته في المشهد، جرى استخدامه بوصفه واجهة مطواعة تبرر إقصاء الآخرين، فجلس في الخيمة هو ومن يشبهه، بينما حوصر الجميع خارجها، حتى قيل إن عاصي الحلاني «غنى يا ميمة جنب الخيمة»، كما سخر الليبيون آنذاك، ليُظهر بؤس المشهد لا فرحته.

ضاع جيل بكامله لا على مستوى الفن فقط، بل على مستوى الرؤية. أبناء دولة الاستقلال الذين تفتّح وعيهم في فضاء طرابلس وبنغازي، حيث ازدهرت الثقافة والموسيقى والبحوث، وكانوا قاب قوسين أو أدنى من إحداث ثورة جمالية تصل إلى العالمية: أحمد فكرون، ناصر المزداوي، إبراهيم الكوني، إبراهيم الفقيه، وحميد الشاعري!! هُمّشوا أو اضطروا للرحيل، وبقي الوطن صدى بعيداً عن طموحاتهم.

لن تفهم خارج هذا السياق لماذا تم إهمال صيانة معهد علي الشعالية؟ الذي بدأ أصلا كمشروع شخصي من رجل آمن بقيمة التراث الموسيقي البنغازي، والليبي عموما، ثم تنظر غربا لتتأكد التراجيديا مع معهد جمال الدين الميلادي، الذي لم تنته صيانته سوى قبل عام ربما. ألم تكن البيضاء ودرنة تستحق معاهد للموسيقى؟ لماذا تم ردم درنة الزاهرة وحضريتها، حتى باتت مستنقعا يحقق رقما قياسيا في تصدير الإرهاب؟!

أما بعد 2011، فإن المأساة تعمّقت ولم تُحل، فبينما كان يُفترض أن تشكل الثورة لحظة انعتاق ثقافي لا مجرد تغيير سياسي، ظل مشروع النجع هو الأنجح، لا لأنه يحمل مضموناً مقنعاً أو أفقاً إنسانياً أرحب، بل لأن بُناه الرمزية كانت قد استقرت في الوعي، وانتشرت كالعدوى، وترسخت في الذوق العام، حتى أصبحت أي محاولة لإحياء الثقافة المدينية تُقرأ كفعل نخبوي معزول، أو عودة إلى «المركزية المرفوضة». لقد شاهدنا «الكشك» وسط مدرجات جمهور نادي الاتحاد المنتمي تاريخيا لسوق الجمعة وتاجوراء وعمق طرابلس.

لم تفلح وزارات الثقافة المتعاقبة، ولا ما يسمى «المجالس والمؤسسات والهيئات»، في بلورة مشروع وطني ثقافي جامع، لا لأن الإمكانات ليست متاحة، بل لأن الرؤية غابت. حتى حين تم إطلاق ليالي المدينة القديمة، أو الترويج لتقليد «البدلة العربية تحت منارة بنغازي»، بقيت هذه المحاولات سطحية، خالية من أي عمق يعالج الجروح القديمة، أو يعيد الاعتبار للهوية الثقافية المدينية كركيزة أصيلة من فسيفساء الهوية الليبية الجامعة، حتى قال البعض إن ليالي المدينة القديمة هي ندوات مركز دراسات الكتاب الأخضر في الهواء الطلق.

الوجع هنا ليس وجع الحنين، بل وجع الفقد، وفقدان المعنى، وفقدان المسار، وفقدان ما كان يمكن أن يكون عليه شكل الثقافة في ليبيا لو لم تُصادرْه الخيمة، وتَقمعْه الأسطورة البدوية، ويُستبدل بالتنوع الاجتثاث، وبالمدينة النجع، وبالنقد الهتاف.

مهمة استعادة المدينة اليوم ليست معركة ضد الماضي فقط، بل معركة ضد استمراريته في الحاضر، وضد بنيته المتجذرة في الوعي، وضد الذوق الذي صار يرفض ذاته. هذا لا يعني أنه لم تكن هناك مقاومة، بالعكس تماما، لولا المقاومة لما كان لهذه الكتابة أن تحدث. لكن من المهم تشخيص الأزمة فعلا، والإقرار بقوة الردم الثقافي للتعبير المديني، والذائقة الحضرية، كأساس لإعادة التوازن للوجدان الليبي المنكوب بالإقصاء.

وليبيا، إن أرادت أن تستعيد صوتها، فلا بد لها أن تبدأ من الموسيقى، من الفن، من الذاكرة، ومن إنصاف الأصوات التي لم تجلس في الخيمة، والتي سكنتها أيضا طبعا، لتعكس النبض الحقيقي للبلاد.
هذا القول يفتح أفقاً بالغ الأهمية، لأننا لم نعد بحاجة فقط إلى الوعي بوصفه حالة عقلية أو لحظة إدراك فردي، بل إلى عودة التوعية بوصفها مشروعاً ثقافياً يعيد بناء الذائقة والذاكرة والمعنى.

إعادة قراءة الأعمال الفنية، الموسيقية منها أو الأدبية أو المسرحية، ليست ترفاً نقدياً، بل ضرورة وطنية. إنها جزء من عملية استعادة الذات من براثن التنميط، ومن قبضة التعميم، ومن الجفاف الرمزي الذي أصاب الثقافة الليبية لعقود.

في ظل ما شهده الفضاء العام من محاولات اجتثاث لذاكرة المدينة، فإن إعادة تسليط الضوء على نتاجها -لا بوصفه أرقى، بل بوصفه مختلفاً- تمثل خطوة أساسية نحو إثبات أن الهوية الليبية ليست صوتاً واحداً ولا ذوقاً مفرغاً من التعدد، بل هي تيار غني تتداخل فيه الأصوات والألوان والمقامات، ما بين الرمل والبحر، والقصبة والبيانو، والمسرح الشعبي والتجريبي الحداثي.

ثقافة المدينة ليست نقضاً للنجع، بل هي بُعد آخر من أبعاد ليبيا، كان يجب أن يُحترم لا أن يُلغى. إنها لا تطالب بالهيمنة، بل بالاعتراف. والاعتراف هنا لا يعني الامتياز، بل الانخراط في تشكيل تيار وطني ناضج، يتفاعل فيه الجميع دون استعلاء ولا دونية، فالمديني ليس أفضل من غيره، لكنه يحمل منظوراً مختلفاً، وزاوية أخرى للرؤية، وشكلاً آخر للانتماء والتعبير.

لذا، فإن المشروع اليوم يجب أن يكون بناء تيار وطني ثقافي لا يخجل من تنوعه، ولا يخاف من اختلافه، ولا يخضع لذوق سلطوي واحد. التيار الذي يحتضن صوت سلام قدري ولحن كاظم نديم، كما يحتضن بوخبينة وبوعياد والكيلاني والريش وعبد الله منصور، ويقدر عادل عبد المجيد، وإبراهيم فهمي، ويستعيد أحمد فكرون. كما ينصت لعبد الجليل عبد القادر ونوري كمال، وبوعبعاب وطارق الزياني، ويمنح للمدينة والنجع معا وكل ما عداهما مكاناً في خريطة ليبيا الجمالية، لا في خريطة صراعاتها الجهوية.

عودة التوعية تبدأ من هنا: أن نقرأ ما كتبناه، أن نصغي لما غنيناه، أن نرثي ما فقدناه، ثم نبني على كل ذلك، ما لم يكتمل بعد. لا يمكن انتظار أن ترحل المدينة والمدنية بالكامل، فلا يمكن لأحد أن يزهو بالسواد، كما حذرنا «الحريري» مستنكرا، باكيا مهمشاً بمرارة، قبل أن يرحل بوجع.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»