Atwasat

بين الجذرية والراديكالية

عبد الكافي المغربي الإثنين 28 أبريل 2025, 07:26 مساء
عبد الكافي المغربي

ضمن الجهود المحمودة لفلسفة اللغة استلفات الأنظار إلى تطور الدلالة في سياق التغيرات الطارئة على القيم السياسية والثقافية السائدة في حقبة معينة. وعلم اجتماع اللغة يسعف الباحث في تتبعه مدلول «راديكالي» و«راديكالية»، كما تطور من جذره الأول في اللغة الإنجليزية المستعار منها.

تطورت مفاهيم العصر الحديث عن الراديكالية من أصل مادي بحت، من كلمة «root» و«radix»، ومن جذر شيء ما، ومن الأساس. وعلى مر القرون، اتخذ مدلول «راديكالية» منحنى استشرافيا، فأضحى لا يُعنى بالجذور نفسها، وإنما باقتلاعها بالتغيير الجذري.

وفي باكورة القرن التاسع عشر ترادفت «الراديكالية» مع «الليبرالية»، لكن في منتصف القرن، ومع تفاقم أزمة «البروليتاريا» الإنجليزية واستغلالها، اتخذت الراديكالية مدلولا سيئ السمعة، وأضحت تقتصر على السياسة الاشتراكية بطابعيها النضالي والثوري.

ومع إقبال القرن العشرين، تجسد المفهوم في صورته المعاصرة، وأصبح يوظف للدلالة على روح التغيير الدؤوبة، التي لا تنثني. كما تعبر عنها سياسات يمينية تهدف إلى تغيير ذي طابع يميني لا يتوازى في كل تفصيل مع سياسة محافِظة تقليدية، وبرامج يسارية غير ثورية.

هكذا تطور المدلول في الاصطلاح الإنجليزي، الذي وصل تأثيره لأوروبا كلها من الجزيرة ومن الولايات المتحدة. إزاء هذا يبدو أنه لا يزال يعلق بالدلالة العربية طابع الأصولية والجذرية، فالراديكالية لا تزال مخزية، تفضح ميولا فاشية تسعى إلى زيادة الرقابة على المجتمع المحافظ في الأساس، وإلى إنشاء مجتمع شمولي يخضع لحكم الأفكار المسبقة، التي لا ينحاز عنها قيد أنملة.

وهنا تكمن روح الاختلاف التي حالت دون نجاح الثورات العربية، ودون تحقيق التماسك المجتمعي الذي من شأنه بناء نظام عربي قوي ونزيه وصارم.

المثقف والسياسي الليبرالي، باستثناءات محدودة، يؤكد أن الإسلام المعتدل، دع عنك الأجنحة الأكثر محافظة، يبيت نية سيئة، ويسعى إلى تأسيس حكم فاشيٍ يستبعد الآخر أو يقتله في أسوأ الظروف، وأن الإسلام المعتدل لا يؤمن بروح الائتلاف، وذلك على الرغم من عهد السبسي المبشر في عصر الديمقراطية التونسية الذهبي.

والإسلامي الراديكالي الذي قد يحصل على منابر الخطابة أكثر من السياسي المعتدل الذي يدرك خطورة التغييرات الجذرية، ولا يترك لليبرالي مجالا للشك في أن البداية، كما النهاية، نقاش بيزنطي غير مجدٍ.

ومع جثوم جو الريبة والتوجس الخانق، تبهتُ الحقيقة البينة للعيان، حقيقة أن المجتمع محافظ مهما كان من أمر، وأنه بعد الثورات والتقلبات، وكل محاولات الفلاسفة والمفكرين والقادة بعيدي الآمال، سرعان ما تستقر الأمور، فتعود إلى صورتها الأصلية. هكذا تستمر البرجوازية الأوروبية والأمريكية المحترمة بتعريف نفسها على أنها «مسيحية» على الرغم من أنف روبسبير وداروين وماركس، وهكذا سادت الرغبة في «عدم المساواة» بالمجتمع الشيوعي السوفيتي، وهكذا عادت المجتمعات العربية غير مسيسة بعد الشتاء العربي، وهكذا سيكون مستقبل العرب إذا ما كان لهم مستقبل جامع: قيام أحزاب عميقة تتفق على خطوط عريضة لسياسة الدولة ومصالحها الخارجية، وتحتفي بالتنوع والتعدد الأيديولوجي والعرقي في الأمة، ولكن تختلف في درجة المحافَظة التي لا تؤمن بالحرية المطلقة، لكن أيضا لا تتجاوز في تقييد حريات الأفراد لدرجة تلامس الفاشية غير الديمقراطية، الفاشية التي لا تخلف وراءها سوى الدماء والدموع والثورة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»