انتقدني أحد الأصدقاء، قال: «ألم تنتبه إلى أنك تكثر من الثناء على أشخاص تحددهم بأسمائهم؟». وقال لي: «دعني أهمس في أذنك، باعتبار أنك صديقي، إن الأمر يبدو لمن لا يعرفك شخصيا، أنه مداهنة خالصة!» واستطرد: «وأنا على يقين أنك لست مداهنا، ولكن عليك أن تصدقني أن الأمر يبدو كذلك!..» ثم حدد لي أسماء كنتُ بالفعل أثنيت عليها لأسباب متنوعة.
حسنا ! أعلم - يا صديقي العزيز - أن الكاتب الحقيقي هو الذي يجعل كلماته إما مقصلة في الحق أو أنشودة في الثناء.. وعليك أن تعلم أيضا، أن الحق لا يشترط أبدا أن يكون نقدا لمواضيع سلبية فقط، مثلما لا يشترط أن يكون نقدا موجبا! كلمة الحق شهادة لا ينبغي إخفاؤها، مثلما ينبغي أن يصد المنكر، ويشوه ولو بكلمة واحدة!
ينبغي أن نثمن ونبارك من يحترم انتماءه، وذمته، وناسه، ويعمل بإخلاص وهمة من أجل وطنه، أو أهله، أو الأقل جيرانه. ولأنني مقتنع بإعلان هذا الحق، فلم، ولن أتردد أبدا في الثناء على من يستحق شكرا على ذمته، وإخلاصه، وتفانيه وسعيه نحو خير مجتمعنا. تنكرنا للمخلصين، وعدم إعطائهم حقوقهم، على الأقل، من ثناء أمر محزن للغاية، لأن هذا التنكر يشعرهم بقهر، قد يأخذهم حد الاكتئاب!
ألم تلاحظ، يا صديقي، أن الحديث عن الفساد، وذمم الفُساد، والمرتشين، وعن البطر، والتباهي، والنفاق والتشفي والغل والحسد أمور صار الناس يتناولونها في أحاديثهم المسائية والصباحية أيضاّ، تماما مثلما يتحدثون عن الدوري الإسباني، والإيطالي، وليفربول ومحمد صلاح! ويعرفون المفسدين والفُساد وحجم ثرواتهم وبطرهم، ويحددون صفقاتهم وكيف نفذت ومن هم (الكواشيك) ومجالات شغلهم!
إننا وسط هذا الإيقاع المزعج المتكرر نسينا نماذج طاهرة ونقية شريفة وعفيفة، وكان في متناولهم فرص للمشاركة في هذا المهرجان المعيب، ولكنهم ترفعوا ولم يفعلوا!. ألا تتفق معي أن تكريمهم والإشارة إليهم بفخر فرض على الأحياء سواء إن كانوا قد رحلوا عنا أو أنهم انزووا، أو أبعدتهم عن المشهد مغبات الحياة من مرض أو ظروف قاهرة.
سبق وأن تساءلت بعدما كُرم عددٌ من الكتاب والمبدعين، والمؤرخين، لماذا لم تكرم نماذج منها من كان حينها يعيش بيننا، وما زال حتى الآن كثيرون يعيشون بيننا ولكننا نسيناهم. وهم عصاميون، شرفاء ومخلصون وأعطوا الكثير وقد لا يحتاجون سوى لكلمة طيبة تكون كنيشان على صدور أبنائهم؟
إن علمنا بديهي أن أمثالهم لا يسلكون نهج العفة متطلعين إلى مكافأة، بل سعيا وراء قناعة ورضا عن النفس وراحة بال يعون أنها لا تقدر بثمن!
ويا صديقي.. أريدك أن تعرف أنه ثمة طريقان لإصلاح الحال هما: المكافأة والعقاب، وقد جربنا العقاب، وإن كان قد طبق بأخطاء مزعجة بل وقاتلة، ولم يثمر نتائج حقيقية، فلماذا لا نجرب الطريق الآخر وهو المكافأة المادية أو على الأقل المعنوية، ونتجاهل ونحتقر المنافق، المتطاول، الفاسد، المرتشي؟ تصور لو أننا طبقنا عليهم هذا الازدراء، والنظرة الدونية، ونتجاهل ما يرتدونه ويتعطرون به، ولا يذكرون بكلمة خير واحدة، ونتجاهل دعواتهم لمناسباتنا، ويبعدون إبعاد (البعير الأجرب!) أعتقد أنهم سيتأذون كثيرا ويتعذبون وسوف ينتبه أبناؤهم لمغبة ما يفعلون في تقدير أنه عقاب مؤلم أكثر من الفلقة.
دعونا نكرم الأنقياء الشرفاء ونزدري الفاسدين معنويا وعمليا. في تقديري أنه عقاب أكثر إيلاما من أي عقاب عملي، أكرموا الأنقياء الشرفاء، كما وكيفا شكلا وموضوعا، وتجاهلوا أصحاب قناعات (الخدمة على الرأس)! فقد تعود مصافحاتنا وعناقنا، لبعضنا بعضا في مناسباتنا، مثلما كانت قبل طوفان العبث المقيت بأرزاق الثكالى والشرفاء.. والشهداء، ولا تعتقدوا أبدا أن السلوك المعيب سوف يسود فشرفاء بلادنا أكثر مما تعتقدون.
أريد فقط أن أنوه إلى أن فكرة هذا المقال سبق وأن تناولتها بموضوع نشر يوم 22/8/2010، في جريدة قورينا، وما سبب عودتي إليها إلا كثرة الحديث، في وسائل الإعلام عن مليارات تتبخر هنا وهناك! وأعترف أنني لا أعرف عدد أصفار المليار، وبالتأكيد كثيرون مثلي لا يعرفون عددها، ولكنهم يعرفون (خنابها)!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات