وأيام الصيف قائظة في تلك الأطياف وذلك العام الذي بلغ الآن من العمر ستين سنة كاملة. توارت وراء حجوب الغيب. رياح الجنوب.. تذر الغبار والعجاج منذ الصباحات. أحاديث المقاهي المتكررة. الثورات وحلم التغيير بأية طريقة في المنطقة التي لا يرضى قرن ثورها بالسكون.
في أغسطس عبد الناصر يضرب ضربته الكبرى. يطيح وسط حر القاهرة والإسكندرية ومصر كلها بأكبر تنظيم خلالها. تنظيم لم يكف عن النشاط رغم كل الضربات السابقة. إنه يمتد وينتشر منذ العام 1928. وبعد ذلك بعشرين عاماً سيحل فاروق والحكومة التنظيم ويوقفه ثم يغتال الحرس الحديدي زعيمه البنا قرب المركز العام. وبعد ذلك يعود ويطل نشيطاً وقوياً ومندفعاً. تغلغل في الداخل والخارج ولم يتوقف. الصراعات والمواجهات والاغتيالات والتصفيات كلها تراكمات تسخن وتبرد ثم تلتهب من وراء الأفق وعبر السحب وتتجمع وتركض مثل الجياد في الأطياف.. هنا وهناك.
الضربات الموجعة لم تفت في العضد أو الساعد أو الأرجل. لم تقتله لكنها زادته متانة وقوة. كان يتفرد ويغرد في الساحة بطريقة تختلف عن غيره. يواجه الشيوعيين والوفديين والملاحدة ولا يرضى بالدستور أو الأحزاب. الفكر الواحد في مواجهة الآخرين. استفاد من كل التجارب والأوضاع واستطاع أن يكسب المزيد ويحارب في كل الاتجاهات. خطوطه تترابط بلا انقطاع وفي معارك القناة وحرب فلسطين كان يتواجد بشبابه المدرب على السلاح والفتوة والقتال. تقدم عندما تأخرت في رأيه تنظيمات أخرى. كان له رأيه الخاص. وفكره الخاص. واتجاهه الخاص وتنظيمه السري الخاص الذي لا يعرفه سوى القليل في صفوفه المنتشرة فوق الأرض وتحتها. كانت لديه وسائل الإقناع وأيضاً الترهيب وكل شيء.
عبد الناصر كان يعرف ذلك كله جيداً. كان وبعض رفاقه انضموا إليه واكتشفوا مراميه وتعلقوا بالمرشد. كان طريقاً من طرق محاولات التغيير والتواصل. وجدوا في التنظيم صورة وطنية مغايرة في تلك الأيام. عبد الناصر عرف الكثير وخبر التنظيم جيداً وكان إضافة إلى السادات في مرحلة لاحقة من أفضل من أجاد التعامل ثم الضربة اللازمة.
كان أيامها في زيارة الى موسكو وكان أيضاً مشغولاً بحرب اليمن التي يخوضها جيشه فوق الجبال مع قوى عديدة. وكان أيضاً يجهز لاتفاق في جدة لوقف الحرب مع غريمه الملك فيصل وكان أيضاً يستعد لحضور مؤتمر القمة العربي الثالث في الدار البيضاء وكان أيضاً قد فقد بن بلة. أرسل المشير عامر وهيكل لتقصي الأوضاع وعادا دون نتيجة تذكر. وكانت المنطقة كما سلف القول تتابع الخطط السرية التي كشفتها صراحة الأهرام وكان الخطاب عالياً في صوت العرب والمناسبات والأعياد.
المنطقة تغلي وتتحرك والأطياف لا تستقر على شيء. وليبيا تعبرها هذه المشاغل والالتهابات والنيران وتقارب أن تحترق. العام الخامس والستون كان أيضاً في ليبيا اختبار بالون يقترب من الفرقعة في ساعة ما. حرائق البترول. منشورات. عدد كبير من الطلاب المنتمين لحركة القوميين العرب يتخرجون ذلك العام من الجامعة الليبية ويواصلون الجهد والإعداد. والتراكم يواصل التراكم ويزاحم اللحظات.
في هذه الأطياف يلوح ذلك المتحول. الصامت. الكاتب والأديب والناقد والشاعر. الذي يعاني من أمراض الصدر. كان يشغل الدنيا في الجرائد والمؤلفات بكتاباته. قضى العام 1948 وبعده في دورة بأميركا. أرسلته وزارة المعارف العمومية. هناك تأثر لمقتل المرشد. حدث التحول بعد العودة. كان معلماً ثم موظفاً في الوزارة. قدم من أسيوط البعيدة. الصعيد والإقطاع والفلاحين الحفاة والأمراض وأحزان الطبقات الدنيا. ومن نفس المكان تعود أصول الضابط الأسمر الذي سيتقاطع معه. كان شعره متعدد الأغراض وكذا نقده يتسم بالحدية والتطرف. شعره في جانب كبير منه اهتم بالأطفال تربية وسلوكاً. مثل مع عادل الغضبان ومحمد أحمد برانق وعبدالعزيز عتيق وغيرهم مجموعة تضع مناهج الرياض والمدارس.
ذلك المتحول أبدا عبر الأطياف والأعوام في نظمه للطفولة كان هادئاً وساكناً.. تشقشق الطيور.. فرحانة بالنور تقول في سرور ما أجمل الضياء. و.. صباح الخير مدرستي.. صباح الخير والنور إليك اشتقت في أمسي فزاد اليوم تبكيري.. وصور أخرى. وفي حديته الناقدة واجه عبد الرحمن بدوي وربما كان سبباً في إيقافه عن مواصلة نظمه للشعر الركيك في رأيه عبر ديوانه الوحيد مرآة نفسي. وكان يتعصب للعقاد. وكان العقاد وفدياً خالصاً وحاداً أيضاً لكن التلميذ لم يكن كذلك في التعصب أو الحب للوفد معقد الرجاء في جنبات الوادي.
المتحول الواهن الصوت ينضم للتنظيم الكبير في العام 1953. ويصبح داعية من نوع آخر. كان كتابه العدالة الاجتماعية في الإسلام يقارب أن يكون إنجيلا لثوار حركة الجيش. كانوا يجلسون معه في حديقة بيته بالزيتون. وعندما نجحت الحركة أيد بعنف إعدامات البقري ورفيقه وعارض أحداث كفر الدوار. وأغاني محمد عبد الوهاب وأم كلثوم. واختير في هيئة التحرير لكنه تصادم مع بعض مسؤوليها وتركها. وحين وقعت الواقعة في المنشية بالإسكندرية في أكتوبر 1954. محاولة اغتيال الأخ القديم وسط الميدان تلك الليلة. ثمة ضربة ستقصم الظهر مع الشيوعيين وتضمهم السجون في طره والقلعة وغيرهما. لم يكن المتحول الذي تحول من الشعر والنقد وترنيمات الأطفال من المشاركين فيما وقع لكنه اتهم بإعداد المنشورات ونقد السلطة ورجال الحركة عن موضوع الجلاء وإسرائيل وغيرهما. تجاوز الحد في رأيهم وحصل الفراق وانقطع التواصل. دخل السجن. اشتد المرض. عومل بمعاملة تختلف عن غيره لظروفه الصحية. كتب في ظلال القرآن. وظل مسموحاً ببيعه في المكتبات. ثم هزته أحداث ومقتل الرفاق في سجن الليمان العام 1957. رأى في ذلك تذبيحاً وتشريداً لرفاقه واتفاقاً مدبراً مع الخارج للقضاء على (الحراك الإسلامي).
المتحول زار أميركا مرة واحدة ثم خرج من مصر إلى القدس العام 1953 لحضور مؤتمر إسلامي. التقى بالعديد من المفكرين والزعماء. كان يمثل كاريزما رغم ضعفه وتحولاته ومرضه. وربما تعاطف معه عبد الناصر لظروف سنه ومرضه وسمح بمعالم في الطريق الذي كان من مخرجات السجن. ووصفه بعض الباحثين بأنه ظلم وظلم ويتساوى معه عبد الناصر فيما مضى إليه بشأنه. وبوساطة من عبد السلام عارف يطلق سراحه عبدالناصر في مايو 1964. كان خرتشوف وبن بلة والسلال وعارف حضروا احتفالات السد العالي. خرج المتحول. ذلك سيد قطب إبراهيم الموشي ابن الصعيد القادم من كل التحولات. المؤثر والمتأثر. صفحة من صفحات الأطياف. لكنه يتحرك من جديد ولا يكف عن الحراك. يوم الإثنين التاسع من أغسطس العام 1965. الضربة تبدأ. كان في المصيف في رأس البر. يعود للسجن مكبلاً ومريضاً وتبدأ مرحلة أخرى تنتهي بعد عام. تنظيم تحرك. التحقيقات أشارت إلى أن ثمة أسلحة ومعدات للتفجير تهرب عبر القوافل من ليبيا والسودان.
التقى المتحول ببعض العناصر من ليبيا..(الفاتح) و(الطيب) وغيرهما. امتداد خارج مصر وعلاقات. تشمل ضربات القبض (عبد الله بوسن) من ليبيا. عمرو النامي الطالب بالدراسات العليا في الإسكندرية كان يتأهب للعودة من بنغازي لمواصلة دراسته من الإجازة. كان قريباً من الرجل. تحذير يأتيه من بعض الأصدقاء. لا يغامر بالذهاب وإلى كامبريدج تغير الجامعة الليبية وجهة دراسته بالكامل.
في ذلك الاثنين التاسع من أغسطس. القيظ في المنطقة وفي بنغازي. الدفعة السابعة من الكلية العسكرية الملكية تتخرج وفي صفوفها يخرج تنظيم الملازمين الصغار الذي يحلم بالتغيير. تزامن التخرج صدفة وعفوية مع الإمساك بتلابيب التنظيم الكبير.. هناك في مصر. تنظيم يدخل إلى السجن وتنظيم آخر يخرج من الكلية.
الأطياف والأيام والأحداث تجمع الزيت في الخوابي.. ثم تسيل بلا توقف في الدروب.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات