من كان يُصدّق أن اليمين المتطرف الفرنسي، مُمثلاً في حزب التجمّع الوطني تحت زعامة ماري لوبان، يُعلن عن تبنّيه إستراتيجية القسّ الأميركي الراحل د. مارتن لوثر كينج، الذي قاد مسيرات السود ضد العنصرية في أميركا خلال الستينيات من القرن الماضي؟
الآن، في فرنسا، في العام 2025 يصرّح قادة حزب يميني متطرف في وسائل الإعلام بأن أنصارهم لن يلجأوا إلى العنف، وسوف يخرجون إلى الشوارع في مسيرات احتجاج سلمية ضد حكم قضائي صدر أخيراً بمنع زعيمة الحزب من ممارسة العمل السياسي خمس سنوات، وفورياً، وأن احتجاجاتهم ستكون سلمية اقتداءً بما فعله القسّ الأميركي الراحل.
العالمُ يتغير حقّاً ولا يتقلّب. ونحنُ، ربما من كثرة تشتت أذهاننا وانعدام تركيزنا نتيجة ما نشهد من مجازر إبادة ترتكب في قطاع غزّة، وما يحدث في بقاع أخرى كثيرة من العالم من كوارث طبيعية وبشرية، فاتنا ما يحدث من تبدّلات وتغيّرات، وبصفة خاصة في دوائر اليمين المتطرف في عواصم الغرب، وفي مقدمتها باريس.
المتطرفون اليمينيون في التجمع الوطني الفرنسي، تحت زعامة الابنة ماري، يختلفون عن أولئك الذين كانوا تحت زعامة أبيها المؤسس جان لوبان، حين كان الحزب يحمل اسم «الجبهة الوطنية». أتباع وأنصار الابنة ماري لوبان في التجمع الوطني يرتدون رباطات عنق حريرية مثل التي يرتديها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويتحدثون بلغة فرنسية مؤدبة لا علاقة لها بما كان يتفوّه به الأب الراحل وأنصاره. ربطاتُ العنق استراتيجية جديدة صممتها الابنة لدى تسلمها عجلة القيادة من الأب، وهي بذلك كمن يضع أحمر شفاه على شفتيْ خنزير.
ما العلاقة بين حزب متطرف يميني معادٍ للمهاجرين والسود والمسلمين بزعيم أميركي أسود قاد بنجاح طيلة سنوات الحركة المناوئة للعنصرية في أميركا، وقُتل غيلة على أيدي عنصريين أميركيين بيض؟
للسياسة أحكامها، وطرائقها الغريبة، مثل أن تحرص وسائل الإعلام الغربية على وصف إسرائيل بأنها «الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»!
النظام القضائي في الغرب حالياً يتعرّض لحملة ممنهجة من قِبل أحزاب وتنظيمات وحركات يمينية متطرفة، هدفها إخضاعه للسيطرة، كما فعل حزب العدالة والقانون اليميني في بولندا قبل سقوطه في الانتخابات الأخيرة، وكما يسعى الائتلاف اليميني المتطرف الحاكم في إسرائيل حالياً، والأمثلة كثيرة.
المتطرفون اليمينيون طوال السنوات الأخيرة ظلوا يتعرضون بالنقد للنظام القضائي، ويتهمونه بالليونة فيما يصدره من أحكام ضد المهاجرين، وها هم الآن يضعون الأنشوطة حول رقبته باتهامه بفقدان الحيادية والاستقلالية، وتحوّله إلى سلاح بيد حكومات معتدلة، لمنع وصول أحزاب اليمين المتطرف إلى السلطة.
في القضية الفرنسية الأخيرة، تبين لهيئة قضائية، متكونة من ثلاثة قضاة، أن السيدة ماري لوبان وثلاثة وعشرين متهما آخر من حزبها قد اختلسوا أموال الاتحاد الأوروبي بتحويل مبالغ مالية ممنوحة للحزب من بروكسل لاستخدامها في تعيين مساعدين لنواب الحزب في البرلمان الأوروبي، وتعيين أشخاص لخدمة الحزب. التحقيقات استمرت طيلة سنوات من قِبل رؤساء نيابات في باريس وبروكسل. جريمة الاختلاس، استناداً إلى تقارير اعلامية، مثبتة بالأدلة والبراهين.
ماري لوبان قالت إن النظام اتجه إلى استخدام «الخيار النووي»!! وتقصد بذلك استخدام القضاء في استبعاد مرشح رئاسي، وحرمان الفرنسيين من حقوقهم في التصويت له.
الحالة الفرنسية تختلف عما حدث قبل أيام في تركيا. النظام التركي، ومن دون تقديم دليل على مزاعم بتهم بالفساد، لجأ إلى اعتقال وسجن عمدة أكبر مدينة في تركيا، وهي اسطنبول، الذي تمّ اختياره بالتصويت الشعبي الديمقراطي مرّتين، واختير ديمقراطياً أخيراً ليكون المرشح الرئاسي للحزب الجمهوري. الدليل الوحيد المعلن ضده هو أن المرشح زوّر شهادة تخرّج جامعية. الجامعة التي تخرّج فيها أكرم إمام أوغلو، وهذا اسمه، قامت مشكورة بكشف التزوير، ولكن بعد مرور 31 عاما على التخرّج!! المرشح الرئاسي عن الحزب الجمهوري، والمنتخب شعبياً، عمدة مدينة اسطنبول، رهن الاعتقال حالياً، ومحروم من التواصل مع وكلائه القانونيين وعائلته.
الفرق بين الديمقراطيتين، الفرنسية والتركية، هو ما جعل السيدة ماري لوبان لا تدخل السجن على الرغم من صدور حكم بإدانتها وسجنها أربع سنوات، وهو ما جعل عُمدة مدينة اسطنبول أكرم إمام أوغلو يُعتقل ويُسجن، من دون محاكمة، بتهم فساد وتزوير وخيانة. قائمة التهم المزعومة طويلة، وما زالت تطول.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات