Atwasat

أطياف العام 1965 (1) من توجيهات الرئيس

سالم الكبتي الأربعاء 09 أبريل 2025, 12:36 مساء
سالم الكبتي

يومها في ذلك العام كان العالم العربي يفور بحرارة الشعور القومي العالي. تمرض المنامة فتعطس بنغازي وتتداعى معهما الرباط. التداعي يتم في الغالب بالهتافات والعواطف والحماس والأناشيد. يومها كان الحال كذلك ساخنا وفوارا ويغلي مثل قدر على النار.

كانت فلسطين على الدوام تعبر خاطر العرب. قصائدهم وأحزانهم وأعيادهم وأحلامهم وانكساراتهم ومعقد أمالهم: فلسطين. يتحدثون بملء الأفواه عن نكبتها. عن مرارات الهزيمة. عن خيانة حكامهم. عن تراجع الجيوش من خطوط القتال. عن الأسلحة الفاسدة. عن المؤامرات التي ضيعت فلسطين في دقيقة.. عن كل شيء.

كان ذلك عام 1965 بعد سبعة عشر عاما من مايو 1948. الصحف والإذاعات والمقاهي ومدرجات الملاعب والجامعات وقاعات الدرس تغلي بالشعور القومي ولا شيء سواه.

وتحكي عن فلسطين وتشعر بأن الهزيمة سبب مؤقت إلى زوال وأن النصر آت. وفي أرض السلام رقص عبد السلام النابلسي أمام فاتن حمامة مغنيا.. جينا وجينا لك يا فلسطين. فيما جاوز الظالمون المدى عند محمد عبد الوهاب.

وفجأة عند عتبات الأطياف تتداعى حكايات أخرى. تتواصل وتسري في الأسماع. إيلي كوهين يهودي مصري. استقر في أمريكا الجنوبية. في الأرجنتين يتسلل إلى السفارة السورية هناك. يحقق علاقات قوية مع الملحق العسكري أمين الحافظ الذي سيغدو لاحقا رئيسا لسوريا في روابي الشام. يتغلغل اليهودي بمسمى آخر وصفات أخرى وحيل لا يكتشفها أحد في تلك الديار البعيدة. يتغلغل اليهودي في كل الأطراف وفي دمشق يستقر ويؤسس علاقات خطيرة ومتينة تطال مفاصل الدولة على وجه العموم ويقارب أن يحكم سوريا. ثم يلتف الحبل حول رقبته في ساحة المرجة. اتضح أنه جاسوس. خبطة قوية لإسرائيل زودها خلالها بما لذ وطاب ورخص وغلا من المعلومات والبيانات. كشف عورات كثيرة. وإسرائيل كانت عدوة في الداخل مثل الخارج تشتغل وتعمل وتسهر الليالي وتنتهز الفرص وتستغل الظروف وتستبكي العالم الذي يواسيها ويشعر حيالها بالتعاطف فيهدهد آلامها. وتستغل المحرقة. وتعمل وتنشئ ديمونة في صحراء النقب ومراكز الأبحاث وتعد الخطط وتتواصل مع العالم وتحكمه بطريقة خفية. يصورها واحة وارفة للديمقراطية وسط فيافي التخلف القاحل والقمع العربي. إسرائيل في نظره شيء والعرب في نظره بالمقابل شيء آخر. يعرفهم من خلال البترول والسياحة في أوطانه والكوفية والعقال والمزيد من التخلف.

تنجح إسرائيل ذات السبعة عشر ربيعا في شحن العالم ضد العرب ويظل واقفا معها في كل المواقف.. في الأمم المتحدة. في حق الفيتو. في الصراخ عند الحائط. في ذكريات المحرقة.. في العالم كله. ويقف العرب وحدهم وجامعتهم العربية يبكون دون أن يجدوا أحدا يمسح دموعهم ويلعنون إسرائيل بنت ستين كلب. ذلك كان أضعف الإيمان. من يستطع فليلعن وليشتم ومن لم يستطع فليصمت ويجلس في كرسييه. إسرائيل ظلت هكذا في الخاصرة تدمي وتوجع القلب.

وفجأة مع البكاء والأغاني في مطلع العام كانت العاصفة قد هبت وأشعلت شرارة المقاومة دون دموع. رفعت البنادق وصارت الكوفية والعقال رمزين للصمود والبطولة. عرف العالم معناهما تماما. ثم في الربيع.. في مارس يزور الحبيب بورقيبة منطقة الشرق. كان قد حل بتلك الأماكن أيام نضاله ضد فرنسا. عرف الزعماء والمناضلين والمفكرين. عرف الواقع وما وراء الواقع.

كان بورقيبة كتلة من الحماس والخطابات الطويلة بلا سأم. يزور القاهرة ويلتقي عبد الناصر ويخطب في الجامعة وفي مجلس الأمة. كانا في نقاط افتراق ثم جمع بينهما مؤتمر القمة العربي الأول من أجل فلسطين في يناير 1964. بعدما ظنا أن لا تلاقيا. التقت تونس الخضراء مع نيل القاهرة. الأزهر والزيتونة. النضال والتجربة. ثم يصل إلى أريحا ويطوف ويشاهد معسكرات اللاجئين والخيام المقطوعة الأوتاد. ويرى الحزن يسيل من أستارها. ويسمع عبر الأطياف قطرات المطر وحبات الثلوج التي تغمرها في ليالي الشتاء. تحدث إلى أهل فلسطين وظل يقارن عن قرب بين حال العرب وحال اليهود.. فيما الزمن يطوي بطاحونته الأحداث والمرئيات. إرهاصات لما سيأتي. ويزور القدس ويهدونه مفتاحها ويصلي مع وفده في الأقصى.

وفجأة هناك في أريحا يقول كلاما لم يقله العرب في العلن. ارضوا بالتقسيم كما قررته الأمم المتحدة عام 1947. لا تيأسوا. أحرجوا إسرائيل. وافهموا واقعها. خذوا وطالبوا ثم بعدها لكل حادث حديث. وكلام كثير عند تلك التلال القاحلة مؤكدا بأنه يبنيه بناء على تجارب من العقل والمنطق وتحسس الواقع. العرب لابد أن يتغيروا لكي يتغير واقعهم. إسرائيل حقيقة واقعة. نختلف معها. ارضوا بقرار التقسيم قد يأتي يوم لا تجدوه في أيديكم. إنه ورقة رابحة.. (أنتم أصحاب حق مغتصب. في فلسطين يدحض العرب الحلول بالتراضي. فيرفضون التقسيم وبنود الكتاب الأبيض وسيندمون على ذلك لاحقا) ويقول أيضا.. (مللنا من الديمغوجيا والتعصب). كان يعرف أن إسرائيل تجاوزت الحدود وأنها ظالمة. ولكنه طرح حلا وفقا لمعطيات الأمر الواقع. فلسطين في رأيه لا تحلها الحروب التقليدية. لابد من طريق آخر.

وفجأة تشتعل المنطقة وتهب الرياح بين ممرات الخيام وتنقلب الأمور من أعلى إلى أسفل. الخيانة والتولي والخروج عن الإجماع تهم للمجاهد الأكبر كانت جاهزة وببساطة متناهية. يأتي إلى بيروت. كانت تعيش أيامها ولياليها في الحمراء وفينيسيا والزيتونة وكان ثمة ابتهاج بمطرب جديد كان براحا في مواقف السيارات في دمشق.. فهد بلان. أغنيته واشرح لها تلك الأيام خبطت رقما قياسيا. فمن يشرح كلام الزعيم. في بيروت يعقد مؤتمرا صحفيا. ويصب المزيد من الزيت على النار. يضرب بالطماطم والبيض الفاسد وهي لغة تلك الأيام. عزله الحماس والشعور القومي. أدركته اللعنة القديمة. صدم العالم العربي في ذلك المجاهد القادم من حارقة الأكباد. ينكفئ في قرطاج على نفسه. يوالي توجيهاته وينشد حماة الحمى مع كوادر الحزب ويقول مع الشابي لابد أن يستجيب القدر. يقاطع مؤتمرات القمة. يصبح خارجا عن القاعدة ويضحى سوسة تنخر في عظام الأمة. بلع بورقيبة اللقمة المرة وحده دون أن يغص أو يشرق ودون أن يسقى بغرفة ماء. خوطب من الإعلام بأنه الخواجة بورقيبة.

ومضى عام ثم عام آخر. وفجأة خبطة أخرى أقوى من غيرها. ستة أيام كأنها دقيقة. هزيمة أو نكسة لم يعرف العرب كيف يسمونها. أحزان وجروح غائرة جديدة تنزف بالدماء. هذه المرة لا تقسيم. لا قرار. لا مزاح. الأمر كله في منطق الجد. هذا ليس الخواجة. هذا هو الأعور بعينه. هذا شيء أدهى وأمر أكل ثلاث أراض عربية. وهزم ثلاث جيوش وجموعا هادرة من المحيط إلى الخليج ودخل ساحة الأقصى. وصار الجسر جسر أحزان وبكاء. هذا شيء هزم الجامعة العربية وهزم الأمم المتحدة وابتلع المزيد من الأراضي وزاد من عدد الخيام في العراء.

أين أنت يا بورقيبة؟ صار الحديث يأخذ مسارب أخرى. عن الحل السلمي. عن إزالة آثار العدوان. عن مآسٍ قادمات وعن خبطات أكثر إيلاما. عن جونار يارنج. عن القرار 424.
أين أنت يا بورقيبة ؟. نفس الخطاب. نفس الخطاب والأطياف. نفس الخيام. نفس الروح والتداعيات. وستون وأيام وشهور. بعد عامين ستصبح الكارثة عمرها ستين أيضا مليئة بالمشيب والدموع.

وفجأة.. في لحظة.. في رمشة عين تصير غزة أثرا وخان يونس ورفح. وغيرها. لا خيام ولا قرارات ولا أرقام. إنه الجحيم كما يريدونه يا بورقيبة. الجامعة العربية تتفرج والعالم يتفرج بازدراء وشماتة والجدران تنهار والقادم أسوأ وأكثر سوادا وعتمة. نفق في نهايته ظلام.
يا بورقيبة أين أنت لكي نرجمك بالحجارة والطماطم والبيض الفاسد؟!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»