Atwasat

المحرم والعيب والمعفون

عمر الكدي الإثنين 07 أبريل 2025, 05:16 مساء
عمر الكدي

هناك إجماع على ما هو محرم وما هو مباح وفقًا للشريعة الإسلامية بين أنماط الإنتاج الخمسة في ليبيا، قبل ما يسمى بالصحوة الإسلامية وظهور السلفيين المداخلة، الذين تقريبًا حرموا كل شيء حتى عصيدة المولد النبوي، ولكن العيب تفاوت بين أنماط الإنتاج، فما هو معيب في مكان قد يكون مباحًا في مكان آخر، كما أن أنماط الإنتاج تصرفت بحيل وتسويفات مختلفة، ففي المجتمعات البدوية في شرق ليبيا كان عند عقد القران على فتاة، يقول والدها لأهل العريس «زوجتكم بنت غابة»، وهو تعبير يحمل احتمال ألا تكون الفتاة عذراء، فوجودها في الغابة وصعودها الأشجار عند جمع الحطب قد يفقدها العذرية، عندما تحتك بالأعواد المتشابكة، ومع ذلك يردد والد العروس خلف المأذون زوجتك بنتي البكر فلانة.

في الريف الغربي من البلاد قد تلد المرأة بعد وفاة زوجها بسنتين أو ثلاثة، وفي هذه الحالة يقولون إن المولود كان نائمًا، وينسبونه إلى المرحوم دون مشكلة، وبسبب انتشار العبودية والتسري فهناك تأثير للثقافة الأفريقية، أدى ذلك إلى ظهور أطفال مجهولي الأب، وعندها يطلقون على المولود اسم عبدالله عبدالله، ولكنه يعيش طبيعيًا مثله مثل الآخرين وهذا ذروة التسامح بين الأنماط الخمسة.

من النادر جدًا أن يحدث زواج بين قبائل الرعاة وقبائل المزارعين البعليين، وكان من المستبعد أن يتزوج الجبالي أو الزواري عربية، ومن المستحيل أن تتزوج الزوارية أو الجبالية عربيًا، ولكن ذلك حدث عندما التقوا وتجاوروا في طرابلس في السبعينات، فالأقليات تحمي هويتها بحصر الزواج داخلها وتقاطع كل من يخرج عن هذا الإجماع، إلا أن للمدينة ظروفها المختلفة فهي المعدة التي تهضم الجميع وتشكل هوية جديدة. هذا الزواج ليس محرمًا ولكنه وفقًا لنظام القيم القديم يعتبر عيبًا، وقد يعتبره البعض عارًا يبقى إلى والد الولد، وعندها يتحول العار إلى وصمة أكثر من الحرام، فالمحرم يمكن التكفير عنه بالصوم والصدقة، ولكن العار يتحول إلى لعنة لا تزول.

ربما لهذا السبب كان مجتمع طرابلس القديم أكثر محافظة من مجتمع الريف والبادية، حيث تسجن المرأة في بيتها ولا يسمح لها بالخروج وحدها، وكلما تقدمت في العمر تستعيد شيئًا من حريتها، وهذه سمة المجتمعات التجارية في مصراتة مثلًا، ولا أدري هل لهذا علاقة بثقافة الحريم التي جاء بها الأتراك من بلادهم، وفرضوها حتى في مصر حيث استخدمت كلمة «حرملك»، في حين كانت المرأة البدوية والريفية حرة بالكامل في الخروج من بيتها دون استئذان زوجها، فإذا وفرت المدينة الخدمات للزوجة وهي في بيتها، فإن المرأة البدوية والريفية صانعة الحياة عليها أن تقوم بكل ذلك بنفسها.

سمعت كلمة «معفون» أول مرة من أمي، عندما عدت إليها من طرابلس بعد وفاة أبي، فكنت أقول لها يعني حرام أو عيب، فتقول معفون دون أن تفسر الكلمة، واستنتجت أنها في منزلة بين المنزلتين بين الحرام والعيب، ثم اكتشفت أن للكلمة جذورًا في المعتقدات القديمة للمجتمعات قبل تحولها إلى الإسلام، فالناس نسيت سبب تجنب هذا السلوك ولكنها ظلت تحرص على تجنبه، وفي اللهجة المغربية تستخدم كلمة معفون بمعنى قذر وسخ ومعفن، ولكن ليس هذا ما كانت تقصده أمي، والكلمة تستخدمها النساء أكثر من الرجال، ولا تعني المكروه بل هي أكثر فظاعة وسرية منه، وترتبط بالجن وعالم الخفاء ولذلك يستحسن تجنب فعل المعفون دون الخوض في أي نقاش أو تفسير. بقيت هذه الكلمة في ذاكرتي بالرغم من أنني لم أسمعها مرة أخرى منذ وفاة أمي، ولكنها كانت كافية لتقييد السلوك أكثر من المحرم، وقد رأيت من ينتهك المحرم ولكنني لم أشاهد من ينتهك المعفون، فهو ممنوع لدرجة أن الإنسان يتجنبه حتى وهو وحيد في الغابة، فالغابة مسكونة بالجن والكائنات الخرافية والذين وفقًا لمخيال أمي علينا أن نحترم وجودهم.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»