من الصعب للغاية اعتبار أغنية الراحل حميدة بونقطة «قصيبات» (نسوم البحر والموج وخريبيش) كلمات جميلة وحسب. كما لا تكفي الإشارة إلى حجم النوستالجيا للمكان التي تعتمر القصيدة حتى قبل أن تصبح أغنية. ومن المؤسف أن أغاني المرسكاوي لا يشار لكاتبها غالبا.
في الكلمات يبرز الحنين بعمق عبر البيئة البحرية في بنغازي (نسوم البحر - الموج - البحر نفسه - المينا - طيور النوارس). كما يبدو «خريبيش - المنارة» تخصيصا مكانيا لتأطير الهوية الشخصية والجماعية.
إيقاع عاطفي هادئ، يتماهى مع حركة البحر والموج، فالكلمات تبدو وكأنها موجات ناعمة تعيد تشكيل مشاهد الطفولة والشباب ودفق الأمومة، ولا تنسى الأسئلة الوجودية عن التعب والشقاء.
القصيدة منقسمة إلى ثلاثة مقاطع، يبدأ كل مقطع بكلمة «البحر» باعتباره مركز الذكريات والعلاقات. لكن القصيدة تبدو بهذا الاعتبار مع مرتكز البحر، كقيمة ثابتة، مثل كاميرا تتجه من العموم للخصوص، من الأفق الشامل إلى داخل الإسان نفسه، وعلى مراحل:
– البحر والميناء (Wide)
– البحر والجيرة (Med-Close)
– البحر واللّمة (Close)
تبدأ الأغنية بالبحر والميناء، وهنا لا يكتفي الشاعر بتمثيل المشهد الطبيعي، بل يدخل فيه الإنسان كمعنى للوجود فـ«طيور النوارس حايمات (علينا)»، فيشخصن الانتماء، ويعيد نفسه ومن معه مركزا وليس هامشا موجودا فحسب.
ويمضي ليحدد المكان «تحت المنارة»، وأجواء الفرح الاستثنائي مع أغاني «كيفها ما فيش». ومن المفهوم أن الأجواء نفسها هي ما تمنح الأغاني بهجتها.
ثم تقترب الكاميرا أكثر، فبعد «البحر والمينا» يزيد التخصيص في «البحر والجيرة»، لتشرح عن الجوار، فالمكان ينبض في الذاكرة بأحداث الآخرين، ويعود أيضا ليحصر المجال في «عيون ريدي» والأحلام البريئة الصغيرة، قصة حب الطفولة والجيران غالبا، ليطرح السؤال الوجودي الذي كان سببا لشقاء النوع البشري: لماذا فارقتنا براءة الطفولة وسعادتها؟! كما قالت الأغنية المصرية الشهيرة لذلك المسلسل: «ليه يا زمان ماسبتناش أبرياء؟»، وبالصيغة نفسها، لكنه يلخّصها في النتيجة: «ليش القسوة؟».
وفي المشهد الثالث، يأتي الإنسان الفرد ويختفي المكان، ونعيش «اللمة»، ولا يغيب البحر أيضاً: «البحر واللمة»!!
واللمة لا معنى لها دون «الأم»: نجري صغير ونقولك «يا يمه».. النداء الخالد الأبدي، عنوان اللجوء حين الحاجة، وعنوان الفقد عند الغياب، ورمز الأمان المطلق.
يتفجر المشهد بالحنان وكأن الكلمات تنقل فيديو لأم تهلع لطفلها خوف الألم «بشويش».
ومن اللافت جدا أن كلمتي «أم» و«بحر» تعودان إلى جذور لغوية هندوأوروبية متقاربة صوتيا (méh₂tēr للأم وmóri للبحر)، وفي العربية «الأم - اليم». وعندما طلب الله -سبحانه وتعالى- من أم موسى أن «أقذفيه» في الماء ذكره بـ«اليم» وليس «البحر».
وكما تحدثنا عن سيرورة السير في المكان، هناك سيرورة زمانية عكسية، فالنص يبدأ من اللحظة الحاضرة بشعورٍ لا يزال حيًّا حتى الآن «ما زلت فيها نعيش»، ثم يسترجع في المقطع الثاني زمنًا قريبًا نسبياً، حيث البهجة وصدى الأغاني تحت المنارة، بعدها يتوغّل أكثر في الماضي نحو المراهقة وأحلامها الطريّة (عيون ريدي والأحلام صغيرة)، ليصل في ختامه إلى أبعد نقطة زمنية.. الطفولة، حيث الانتماء الأول والنداء الخالد للأم «وأنا صغير ونقولك يا يمّه».
بهذا التدرّج العكسيّ من الحاضر إلى الطفولة، ينسج النص رحلةً حنينية تتعمّق في مستويات الذاكرة خطوةً خطوة، حتى تبلغ جذر الحنان الأول، رمز الأمان والبدايات.
نجحت القصيدة بلغة عامية ليبية بسيطة، لكنها عميقة الدلالة، أن تخلق قربًا عاطفيًا من المتلقي، وحقق التكرار بـ«البحر» إيقاعًا موسيقيًا جذابًا يعزز الرابط الوجداني مع المكان.
أستغرب، على الرغم من إعادة توزيع أغانٍ ليبية عدة، من أنه لم يقم أحد بعد - حد علمي - بإعادة إنتاج هذه الأغنية مجددا.
أغنية كهذه تكتب الخلود للمكان. كما تجسد واقع الحنين الوجودي، والجيرة، وتربطه بالأم وحنانها الأسطوري، وقبل كل شيء تعيد الإنسان لذاته كإنسان.
هنا تأتي المفاجأة التي يخبئها الشاعر العبقري حين نكتشف بغتة أنه في حضرة أمه بالذات، فيتوجه لها بضمير المخاطب «أنت»، وهل أروع من جلسة مع أمك؟ تأمل الصورة حين يكون يتهادى الطفل الحافي ليصل إلى أمه، وغاية أمه أن يظل سالماً بخير:
«وأنا صغير نقولك يا يمّه..
حفيان،
وأنتي تقوللي بشويش
نسوم البحر والموج وخریبيش
رفقة عمر مازلت فيها نعيش
البحر والمينا..
وطيور النوارس حايمات علينا
تحت المنارة طول ما غنينا
غناوي الزها اللي كيفها مافيش
البحر والجيرة..
وعيون ريدي والأحلام صغيرة
كبرنا وزاد الوقت في تكديره
تقسى علينا يا زماني ليش؟
البحر واللمة
لا هناك دمعة لا كدر لا غمة
وأنا صغير ونقولك يا يمه..
حفیان،
وأنتي تقوللي بشويش».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات