في زمن التكنولوجيا نام الحكواتي ولم يوقظه أحد، غير أنه مع مرور الزمن كان الشخصية الأهم في حياة المجتمعات الصغيرة التي عاشت معه الخيال، وتعلّمت منه سرد الحكايات، ومتعة القراءة الأدبية للقصص والروايات. وكان لتلك الحكايات تأثيرها في تجارب الكثير من الكُتّاب العرب الذين اعتمدوا في كتاباتهم على مادة التراث الأصيل وخيال الخرافات والأساطير، وهي المواد نفسها التي اعتمدت عليها جدّاتنا في حكاياتهن القديمة لنا ونحن صغار نجنح بالخيال في ظِلال الشموع واللهفة مع بداية كل حكاية: «كان ياما كان في قديم الزمان»!
تشكّلت مهنة الحكواتي من فنون تعبيرية عدة، منها القصّ وحالة التمثيل، والدراما أيضاً، وكان على الحكواتي أن يضفي الإثارة من عنده، فمن مهاراته أنه يجيد السرد بحنكة الفنان المحترف وصاحب المخيِّلة الخصبة والأداء البليغ. كذلك كان يتقن أسلوب التشويق وإثارة الحماسة والتعاطف مع أبطال قصصه. كما كان في مجلسه الأدبي الشعبي يُطلق الحكمة والعبرة بين الحاضرين، ومن شدّة تأثيره في الناس تحوّل لا إرادياً إلى قدوة اجتماعية وناصح بين المتخاصمين. وغالبا ما كان الحكواتي يتقاضى أجرته من صاحب المقهى على شكل نسبة مئوية من سعر كلّ فنجان قهوة يوزّع على الحضور، باعتبار أن غالبية روّاد المقهى هم جمهوره الخاص.
أصبحت شخصية الحكواتي اليوم رمزاً ثقافياً بالنسبة للبلدان التي اشتهرت قديماً بهذا الفن، وصارت محل اهتمام خاص في مجال السياحة، إذ إن القائمين على شؤون هذا المجال أصبحوا يروّجون لبلدانهم ومدنهم القديمة عبر شخصية الحكواتي التي تظهر في لباسها التقليدي القديم، لجذب الزوار الأجانب، بالإضافة إلى السكان المحليين الذين لم يعاصروا زمانه.
كان حكواتي ذلك الزمن، بما له من هيبة وخصوصية ومزايا متوارثة، فنانا مبدعا من نوع خاص، فهو يمتلك قدرة استثنائية على تقليد أصوات البشر والحيوانات، ويستخدم هذه الممكنات الفنية ببراعة من أجل إدخال المتعة والسرور في نفوس المشاهدين. وفي هذه الخاصّية، يقول الناقد المصري د. علي الراعي في كتابه «المسرح في الوطن العربي»: «الحاكي يقصّ على المستمعين نوادر الأخبار وغرائبها، ويتفنّن في تقديم تقليد هزلي للنازلين ببغداد من الأعراب والخراسانيين والزنوج والهنود وذوي العاهات، ولا يأنف من تقليد الحيوانات، فيضحك الناس، ويختبر مزاجهم».
في العراق، اتخذ الحكواتي شكل ما يسمى «القصخون»، والكلمة تركيب لفظي من العربية والفارسية، وتدلُّ على الشخص الذي كان يقرأ القصص شفاهاً أو من كتاب، بحسب الباحث العراقي محمود العيطة في كتابه «الفلكلور في بغداد 1990»، ومعنى ذلك أن القصّاص أو قارئ القصص، الذي يُعدُّ مثالاً عن فن الحكواتي العراقي، قد ظهر في مقاهي بغداد، ويتشابه في وظائفه وطريقة أدائه مع مثيله في مقاهي القاهرة وبلاد الشام.
وفي مصر، برز دور الحكواتي من خلال شكلين من أشكال التعبير الشعبي: الأول تمثّل في المنشد «شاعر الربابة»، والثاني اتخذ شكل السامر الشعبي، والسامر لا يعود وحسب إلى عصور ما قبل ظهور الإسلام، ولكنه يعود إلى البدايات الأولى للحضارة الفرعونية في مصر القديمة، وحضارة وادي الرافدين. وبحسب الباحثة المصرية د. نادية رؤوف في كتابها «يوسف إدريس والمسرح المصري»، فإن هذا النوع من السمر كان يؤدى عادة في الأفراح والاحتفال بالختان (الطهور) وولادة الأطفال، أو للترفيه عن الفلاحين البسطاء في ليالي الصيف. وبذلك، فإن «السامر» هو شكل من أشكال الممارسة الشعبية لفنوننا القولية والأدائية التي عرفتها البيئة المصرية، ونُقل في شكل مسرحي طوّره الكاتب محمود دياب في العديد من المسرحيات، أهمُّها مسرحية بعنوان «ليالي الحصاد».
أما في بلاد المغرب العربي، وبخاصة في الجزائر التي اشتهرت بالحكواتي و«القراقوز»، وهما شكلان من أشكال التعبير الشعبي نجحا معاً في مواجهة الاحتلال الفرنسي بالنقد اللاذع والسخرية مع أنهما وجدا قبل هذا الاحتلال للجزائر عام 1830، فقد اتخذ الحكواتي في الجزائر اسم «منشد المغازي»، وهو يشبه في مسماه «الراوي» من حيث الوظيفة. كما يتفق أيضا مع الحكواتي من حيث الأداء والتجسيد، ويقصد بـ«منشد المغازي» منشد الغزوات والحروب، وهو شكل قصصي ينشده الرواة المحترفون في الأسواق الشعبية والتجمُّعات بمصاحبة عزف على الآلات الموسيقية التقليدية ويؤدّى درامياً.
وفي تونس، عُرف الحكواتي أيضاً تحت اسم «الراوية». وبحسب د. نادية رؤوف، لم يختلف دور الراوي هنا كثيراً عن الدور الذي عرفته مصر، بل لعلّه شخصية مسرحية لها جذورها في التاريخ الإنساني، حيث وُجدت قديماً في المسرح الإغريقي حينما كانت مجموعات من رواة الشعر في الأعياد الأثينية تنشد أشعار هوميروس. وقد استمر دور الراوي، وهو شخصية مسرحية منذ القدم، واستُخدم كثيراً في المسرح العربي المعاصر، حيث وجدناه عند الدكتور رشاد رشدي في مسرحية «بلدي يا بلدي»، وفي مسرحية «بير السلم» لسعد الدين وهبة، وعند صلاح عبدالصبور في مسرحية «مسافر ليل»، وعند الدكتور يوسف إدريس في «الفرافير»، وعند نجيب سرور «آه يا ليل يا قمر - ياسين وبهية - منين أجيب ناس». كذلك نجد مثله عند شكسبير في معظم مسرحياته، خاصة «هاملت».
أينما اشتهرت مهنة الحكواتي في بلاد الشام ومصر والمغرب العربي كان تأثيرها كبيراً على بدايات المسرح العربي، وألعاب «القراقوز» التي تعتمد على الرواية كما الحكاية. فقبل ظهور السينما والتلفزيون، كان المقهى في الليالي، خاصة في شهر رمضان، هو ملتقى أهالي الحارة، للاستمتاع بما يرويه الحكواتي من حكايات شيّقة يسرح معها الخيال، وهي القيمة نفسها التي عشناها صغاراً مع حكايات الجدّات قبل النوم، وكانت شخصيّات معظم تلك الحكايات دارجة في التراث العربي، ومعروفة لدى جميع الحكواتية الذين توارثوها جيلاً بعد جيل، وكانت من أشهر قصص التراث العربي الخيالي الذي اشتهر في بلاد المشرق ومغربها، وهي منبع التراث القصصي الغني الذي استفاد منه معظم أدباء ذلك الجيل القديم من الرواة العرب، وتوارثه العديد من الروائيين المحدثين وتميّزوا به.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات