Atwasat

وعلى ترامب أيضًا أن يستمع

سالم العوكلي الثلاثاء 25 مارس 2025, 03:36 مساء
سالم العوكلي

بعد الضربات الأميركية الموجهة بكثافة إلى مواقع الحوثيين في اليمن، يصرح البيت الأبيض: «على الحوثيين أن يستمعوا جيدا لترامب». وحقيقة، واعتمادًا على ما خاضته أميركا في العقود الأخيرة من حروب على جماعات مسلحة غير منضبطة وانتهت بفرارها، تقول هذه الوقائع لترامب: على الولايات المتحدة أن تستمع جيدا لهذا التاريخ من الهزائم.

خاضت أميركا حروبًا على جماعات مسلحة في كوبا وفيتنام والصومال وأفغانستان، شبيهة في عقائدها القتالية وفي تكتيكاتها بجماعة الحوثيين، وهُزمت في كل هذه المغامرات وبصعوبة فر جنودها من ميادين الحرب، ولعل ما يرسخ في الذاكرة فرار القوات الأميركية والمتعاونين معها من المجتمع المحلي من مطار كابول الذي ذكّر العالم بمشاهد فراراها المذل من سايغون.

وإصرار الإدارات الأميركية على تكرار هذه المشاهد، يشي بأنه، إما أميركا لا تستمع أو لا تريد الاستماع، أو أنها مستفيدة في النهاية من هذه المشاهد دون أن نعرف، فعقيدة ساسة الولايات المتحدة العسكرية والسياسية والاقتصادية، تفرض عليها أن تشن حروبًا دورية تستعرض بها قوتها في أي مكان تشاء من العالم، وهذا قد يكون مفهومًا، لكن هل ثمة مصلحة فيما تتعرض له من إذلال أثناء فرارها من هذه المواقع بعد ما صرفت على الحروب فيها تريليونات من الدولارات، واستقبلت أراضيها آلاف الجثامين من تلك الحروب دون أن تحقق أي هدف من أهدافها المعلنة؟ وفي كل مرة تترك الدمار وأكداس الجثث ورعب المتعاونين معها في كل بلد تدخلت فيه وفرت منه، والنتيجة أن من حاربتهم سنوات طويلة يخرجون من الحرب أكثر قوة وأوسع شعبية، ويسيطرون في النهاية على تلك الدول التي تصبح من ألد أعداء الولايات المتحدة.

اليمن عبر التاريخ أرضٌ هُزمت على حدودها العديد من الإمبراطوريات مثلها مثل أفغانستان، وفيما يخص الحوثيين فهم يشبهون حركة طالبان إلى حد كبير، بخوضهم حروبا عديدة لم تكسر شوكتهم، وبحاضنتهم الاجتماعية وتكتيكاتهم في القتال، وفوق ذلك يملكون ميزة لا تملكها الجيوش التقليدية ولا تملكها القوى الكبرى حين تغزو دولة، باعتبار ليس لديهم ما يخسرون وباعتبار الجبال والكهوف هي متاريسهم ضد الأسلحة الفتاكة، وقابليتهم لأي ثمن يدفعونه في هذه الحروب بعكس الدول الغازية التي غالبًا لا تتحمل اقتصاداتها ولا رأيها العام أعباء وتداعيات هذه الحروب، وهذا الفارق التكتيكي هو ما جعل الولايات المتحدة تُهزم في كثير من مغامراتها في مثل هذا النوع من الحروب رغم التفاوت الهائل في موازين القوة نظريًا، لكن الأرض تقاتل مع أهلها كما يقال، وعقيدة الدفاع عن الأرض أطول نفسًا وأكثر صبرًا من أحلام الغزاة على مر التاريخ.

وحتى لو نزل مئات الآلاف من المارينز على الأرض اليمنية فالنتيجة ستكون مشابهة لما حدث في أفغانستان، وستقتل وتدمر ومن الممكن أن تسيطر على معظم الأرض موقتًا، وتُنصِّب حكومة تابعة لها، وتصرف التريليونات، وتفقد الآلاف من الجنود، وحين ينفد صبرها وتقرر الانسحاب سيعود من قاتلتهم إلى السلطة أكثر قوة وكل شيء يعود إلى المربع الأول، وهذا من تجارب سابقة مشابهة وليس تخمينًا، وبغض النظر عن آرائنا في طالبان والحوثيين وغيرهم من الجماعات المتشددة، إلا أن الحديث هنا عن مثل هذا الصدام الذي حصل مثله في كوبا وفيتنام بجماعات مسلحة تحارب بعقيدة مختلفة، لكن المشترك بينها أنها في النهاية جماعات تدافع عن أرضها ضد غزاة جاءوا من وراء المحيط أو البحر، ومن أجل أن يحتفظ التاريخ ببعض من منطقه فدائما ينتصر المحاربون على أرضهم مهما كان الثمن باهظًا، وإلا لما كان فوق الأرض أكثر من مائة دولة مستقلة كانت مستعمرات سابقة.

هل تستفيد أميركا من هذه الحروب حتى لو هُزِمت فيها؟ سؤال لا أملك الإجابة عنه، غير أن استماع ساستها لهذا الميراث من الهزائم أفضل من استماع الحوثيين لترامب، ولو استمعَتْ جيدًا لأدركت أن استخدام القوة والقوة المفرطة لا يحل لها مشكلة في مثل هذه الحروب غير التقليدية، والرابح الوحيد منها هو شركات السلاح ولوبياتها، خصوصًا حين تكون لهذه الجماعات حواضن اجتماعية، وهي تتفاخر بانتصارها على جماعة مثل داعش، لسبب وحيد وهو كون داعش لا حاضنة اجتماعية لها، بل سكان هذه البلدان التي انتشرت فيها داعش تضامنوا مع التحالفات الدولية لمحاربتها، وهذا فارق كبير. ورغم ذلك يظل السؤال قائما: هل فعلا أميركا قضت على القاعدة وداعش، أم الاختلاف يرجع لكون المخابرات الأميركية هي من صنعت هذه التنظيمات المتشددة التي تحارب خارج المكان وخارج الزمان.

وبالتالي يمكن التحكم فيها وإدارتها لتحقيق مصالح نعرف بعضها وكثيرها لا نعرفه. على أميركا أن تعرف أن قوتها الحقيقية تكمن في حلفائها في العالم الذين يشن الآن ترامب حربه السياسية والاقتصادية عليهم، ستتأذى منها الولايات المتحدة نفسها. حلفاء مثل الاتحاد الأوربي، وكندا، وحلفاء آخرون مهمون في آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية، وهم سر قوة أميركا وسر نفوذها في العالم، إضافة إلى قوتها الناعمة التي تفرط فيها بقرارات يتخذها ترامب يوميًا، بانسحابه من مؤسسات ومنظمات واتفاقيات مهمة تلبي مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية وليس مصلحتها فقط فترة ولاية ترامب، والتخلي عن هذه القوى الناعمة سيجعل العالم يبحث عن ملاذات وتكتلات أخرى، ويقلص من نفوذ الولايات المتحدة، حيث هذه القوة الناعمة وليست حروبها الشرسة ما جعل لها نفوذًا كبيرًا فوق الأرض، وما جعل لها حلفاء وأصدقاء، وشعوبا تحتفظ ببعض الحب لهذه الأمة.

يشهد التاريخ على أن أي أمة أو حضارة استخدمت القوة والترهيب استمرت في الهيمنة، ومنحنى صعود وانهيار الحضارات القوية يؤكد لك، فعديد الإمبراطوريات القوية سقطت بسبب ما استفزته من مشاعر كراهية في الأماكن التي تسيطر عليها، وبسبب التفريط في حلفائها وأصدقائها من أجل مصالح آنية. فالحضارة المهيمنة تدوم بالحلفاء وبالميل إلى السلام بدل الحروب التي تقصم ظهر أي قوة في النهاية، وما جعل أميركا قوية رؤساءٌ مهمون ما زالت تضعهم في الصدارة، استطاعوا التوفيق بين القوة وبين العلاقات السوية مع الشعوب الأخرى، وأتقنوا الدبلوماسية والقوة الناعمة بدل التهديد والترهيب والعقوبات.

آخرهم أوباما الذي حاول أن يغير خطاب السياسة الأميركية تجاه العالم، وعمل بجرأة من أجل محاولة تنظيف ذاكرتها مما ارتكبته من جرائم، ورغم انتقادات ما يسمون الصقور من اليمين الأبيض المحافظ، زار أوباما كوبا والتقى فيدل كاسترو، وزار سايغون والتقى ضحايا الحرب الأميركية على فيتنام، وزار هيروشيما وناجازاكي، وهو يقدم اعتذارات غير منطوقة عما ارتكبته دولته المجنونة من مجازر وحروب إبادة. ركز أوباما على تنمية الداخل واحترام الآخر مهما كان حجمه.

وكان واضحًا أنه قادم من تراث مختلف عن عقيدة السياسة الأميركية التقليدية، يمثله غاندي ومارتن لوثر كينج ومانديلا، لكنه اصطدم بدولة عميقة والغة في دماء الشعوب الأخرى، وكان عمله صعبا ضمن نظام يحيط به من مبجلي القوة و«أميركا أولا»، ولا يوجد في قاموسهم مكان للاعتذار أو لاحترام الآخر أو الصداقة، فكل ذلك يعتبرونه ضعفًا لا يليق بـ«أميركا عظيمة»، وبمجرد نهاية فترة أوباما جاء النقيض له تمامًا، أبيض عنصري باث للكراهية صراحة، قادم من تراث مختلف مَثّلَه في القرن الماضي هتلر وموسوليني، كنموذج للفاشيات التي تأتي عبر صناديق الانتخابات، ورغم أنها تعاني من عوائق يمثلها الجهاز الديمقراطي القوي، إلا أنها ما زالت قادرة على أن تخوض حروبها الشرسة في أي مكان من العالم رغم المحتجين في بعض مؤسساتها وفي الشوارع، والعبارات البذيئة التي وجهها ترامب تجاه المهاجرين والملونين، وتصريحاته حيال غزة وتشجيعه حرب الإبادة الجارية فيها، وطرح مشروعه بتنظيفها من سكانها لإقامة منتجعات للأغنياء، ودعوته لضم دول قريبة وبعيدة وتغيير خرائط العالم، خطاب تجاوز خطاب هتلر التوسعي العنصري.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»