يؤمن الكثير من البشر في معظم المجتمعات والثقافات بوجود كائنات لم يروها، ويعتقدون اعتقاداً جازماً بوجودها وتأثيرها على حياتهم سلباً وإيجاباً، ويحاولون إبعاد خطرها بسلسلة من التعاويذ والتمائم وبنصوص دينية، فالمسلم مثلاً ما إن يشعر بوجود هذه الكائنات الغامضة حتى يشهر في وجوهها آية الكرسي والمعوذتين، بينما يلجأ أصحاب الديانات الأخرى إلى مخزونهم الديني والروحاني.
فالإنسان دائما يلجأ إلى الدين عندما يتعلق الأمر بكل ما هو مستور ومخفي والذي لم ينكشف سره بعد، مثل الموت والروح والنفس والسحر، وكلما كانت حصيلة الإنسان من العلم قليلة يلجأ إلى هذا المخزون الروحي ليطمئن، وتلعب المخيلة الشعبية دوراً كبيراً في تجذير هذه المعتقدات، وعندها يفسر ما جاء في الكتب المقدسة تفسيراً يلائم العصر الذي ظهرت فيه هذه النصوص، على الرغم من أن العلم الحديث كشف ما كان مخفياً ومستوراً، ولكن حتى بين حملة الشهادات العليا في تخصصات دقيقة، لا يملكون إلا اللجوء إلى المخيال الشعبي لتفسير بعض هذه الظواهر.
كلمة الجن لغوياً تعني كل ما هو مخفي ومستتر. جن الليل أي أظلم الليل وأصبح الوجود مخفياً، ومن هذه الكلمة جاءت كلمة الجن والجنون والجنين والجنة والتجني، فالجنون هو اختفاء العقل، والتجني هو اتهام أحدهم بجناية لم يرتكبها، وبعد أن تلد المرأة جنينها وقد كان مختفياً في بطنها، يسمى مولوداً أو رضيعاً ويمنح اسماً خاصاً به لتمييزه عن غيره من البشر، بينما لا يمكن منح الجنين اسماً قبل ولادته لأنه لا يزال مخفياً ومجهولاً، وإن تمكن العلم اليوم من معرفة جنس الجنين، وهو ما منح الفرصة لوالديه لاختيار اسم له قبل أن يولد.
في جميع الأديان تعتبر النصوص المقدسة بنية مجازية وليست حقيقية، ولا يمكن اليوم تفسيرها بنفس التفسير في عصر ظهورها، ففي القرن السابع الميلادي عندما وردت كلمة الجن في القرآن، كانت تفسر على أنها حقيقة علمية، ولكن اليوم لا يمكن للعقل أن يقبل بهذا التفسير، وعليه أن يزيل الحجب التي صاحبت بنية النص المجازية. هناك سورة كاملة في القرآن تسمى سورة الجن، ووردت كلمة الجن في مواضع كثيرة، ولكن في جميعها تعني الخفاء والستر، أي القوة أو الطاقة المحجوبة بما في ذلك كلمة الجنة التي تعني غابة من نخيل وأعناب وأشجار تخفي ما تحتها، ففي القرآن خلق الإنسان من طين وخلق الجن من نار.
الطين موجود منذ أن ظهر الإنسان العاقل على هذا الكوكب، وكان ظاهراً ومكشوفاً فلم يشكل خطراً على الإنسان، بينما كانت النار تختفي وتظهر فجأة، فإذا أبرقت السماء قد يحدث البرق شرراً يشعل الغابة، ولكن الإنسان تمكن من اكتشاف النار في آخر الأمر؛ بل تمكن من ترويضها وإشعالها وإطفائها، وهكذا انتقلت هذه الطاقة التي كانت محتجبة ومخفية إلى عالم العلن أي من عالم الجن إلى عالم الإنس والتي تعني الألفة والاعتياد والاطمئنان، وفي معاجم اللغة تعني كلمة النار التفشي، «نارت الفتنة» أي تفشت وانتشرت.
ونار وجهه أي أشرق بعد اكفهار، ومنها اشتقت كلمة النور أي الوضوح، وهذا يعني أن الله عندما خلق الإنسان وعلى الرغم من أنه علم آدم الأسماء، ولكن هذا لا يعني بأنه علمه كل قوانين الكون، وبالتالي فإن خلق الجن من نار، يعني وجود نسخة أخرى داخل الإنسان الذي تعلم الأسماء، لم يتمكن بعد من الكشف والسيطرة على قوانين الكون، وكلما تقدم في الكشف والإبداع والاختراع تراجع هذا القرين داخله حتى يختفي بالكامل، فعندما ظهر الإسلام كان العرب يؤمنون بوجود الجن، حتى إنهم اخترعوا وادياً يسمى وادي عبقر، ثم اختلفوا حول مكانه، فمنهم من قال إنه في اليمن، وثمة من يقول إنه في نجد، ولكن هذا الوادي مختص بالشعر فقط، فلكل شاعر جن قرين يعيش في هذا الوادي، بل اخترعوا أسماء للجن، فمثلا جن امريء القيس يدعى لافظ بن حافظ وفقا لكتاب «جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي، حتى يفسروا سر عبقرية الشعراء، وهكذا ترسب في العقل الجمعي للعرب هذا المفهوم، فالعبقرية مرتبطة بالجنون وهي تأتي من خارج الإنسان، على عكس علم النفس الحديث الذي أثبت أن العبقرية تأتي من عقل الإنسان، ومن خلال الدراسة والتربية والبحث العلمي.
لا يزال اكتشاف النار يعتبر من أكبر الاكتشافات في تاريخ الإنسان، ثم جاءت بقية الاكتشافات قانون الطفو وقانون الجاذبية وقانون الطاقة. كلمة قانون تعني هنا الحق والمعرفة والوضوح. أين كانت الكهرباء قبل اكتشافها؟ كانت طاقة مختفية ومستترة في المادة، واكتشافها جعلها تنتقل من عالم الجن إلى عالم الإنس، ومثلها الطاقة الذرية، وحتى النفط الذي كان يكتفي البدوي بطلي أبله الجرباء به، تحول إلى طاقة كبيرة عندما عرف الإنسان كيف يستفيد من مشتقاته التي كانت مختفية ومستورة داخل لونه الأسود وقوامه الثقيل، وعلى الرغم من أن جداتنا كن بارعات في تقديد اللحم، إلا أنهن لا يعلمن أنهن بالتخلص من الماء الموجود في أنسجة اللحم، بتمليحه ونشره مدة طويلة في الشمس، أنهن كن يمنعن تكاثر البكتيريا التي تتسبب في فساد اللحم وتحلله، فقبل اختراع المجهر لم يكن في مقدور الإنسان رؤية الكائنات الدقيقة مثل البكتيريا والفيروسات، ولكن بعد ذلك انتقلت هذه الكائنات من خانة الجن إلى خانة الإنس، وظهر علم جديد هو علم الكائنات الدقيقة أو الميكربيولوجي.
الغولة في المخيال الشعبي الليبي والعربي والأمازيغي والطارقي والتباوي تعني روح ميت لم تصعد إلى السماء، وتظهر عادة في المكان الذي ماتت فيه، خاصة إذا كان الموت تم عن طريق القتل، وحتى بعض الشعوب الأوروبية لا تزال تؤمن بوجود الأرواح الهائمة والأشباح، وأنتجت استوديوهات السينما آلاف الأفلام وجنت أرباحاً كثيرة.
على فكرة كلمة جنى تعني الحصول على الربح أو الحصاد الذي كان مخفياً، ولكن بعد انتشار الكهرباء في الريف الليبي تراجعت هذه المعتقدات، واختفت عجوز القايلة التي يسميها المصريون «النداهة»، لأنها كانت تنده وتدعو ضحاياها إلى أجلهم المحتوم، ولكن في طفولتي كانت الغولة وعجوز القايلة كائنات حقيقية تثير الرعب، وتولت الجدات تغذية هذه الأوهام بحكايتهن عن الغولة وعجوز القايلة، مثل الحكاية التي تتوعد فيها الغولة سبع صبايا بأنها ستأكلهن، فتقول «سبع صبايا في قصبايا اندور اندور ونأكلهم»، فيجيبها الكلب من فوق سطح البيت قائلاً، «أنا امراح فوق سطاح والله ما اضوقيهم»، وفي هذه القصة يتحول الكلب من حالته البهيمية إلى كائن عاقل وناطق، فالبهيم هو غير الناطق وغير المفهوم، بينما يتحول الإنسان الذي علمه الله الأسماء كلها إلى ضحية غير عاقلة وحتى غير ناطقة.
ما يجري اليوم في ليبيا على يد هيئة الأوقاف وموظفيها من شرطة مقاومة السحر والدجل، يعكس جهل الإنسان الليبي بهذا العالم المخفي والمستور، وعندها يضطر للجوء لمن يملك السيطرة على هذه الكائنات الشبحية الغامضة، دون أن يدرك أنها لعبة السيطرة والسلطة منذ آلاف السنين، ولكنها لا تزال تنطلي على من يرفض استخدام عقله، ففي هولندا مثلا لم أصادف أي شخص يقول أن الجن لبسه، وإذا أفصح عن مرضه يقول أنه يعالج من الكآبة أو الانفصام أو جنون العظمة أو الذهان الوجداني، أي أنه يعي بدقة ما كان محجوباً ومخفياً، وإن صادفت أشخاصاً لا يزالون يؤمنون بالسحر والعين والحسد؛ بل يعلقون التمائم في أعناقهم لحماية أنفسهم؛ بل صادفت أشخاصاً يؤمنون بأن كل ما يحدث الآن جاء ذكره بالتفصيل في كتبهم المقدسة؛ بل تعرفت على أمرأة هولندية ولدت في عائلة بروتستناتينة ثم تزوجت يهودياً فاعتنقت الديانة اليهودية، وبعد انفصالها من زوجها الأول تزوجت تركياً مسلماً واعتنقت الإسلام، وبعد انفصالها منه اعتنقت معتقدات كنيسة مسيحية صغيرة تحارب الشيطان، وكنت كلما ألتقيها تحكي لي كيف سهرت الليل لحماية ابنتها من الشيطان حتى بزغ الفجر واضطر للاختفاء، فأقول لها هذا يعني أنك رأيت الشيطان، فتنفي ذلك وتقول لو ظهر لها وجهاً لوجه لقتلته وخلصت البشرية منه، ولكنه جبان لا يظهر إلا في الظلام، ولهذا هي لا تطفئ الأضواء في البيت، وتستعين بكلب يستطيع شم الشيطان من مسافة بعيدة، فأقول لها يا سلفيا أرجو لك التوفيق. ذات ليلة سيتخلى الشيطان عن حذره فيظهر وتقتلينه وتخلصين البشرية من شره، ولكنها ماتت فجأة قبل أن تقتل الشيطان.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات