Atwasat

المتحف

منصور بوشناف الخميس 13 مارس 2025, 04:32 مساء
منصور بوشناف

تعج وديان «بني وليد» وشعابها بالفن الليبي الخالص، من التماثيل إلى المسلات إلى النقوش، ويتناثر هذا الإرث الهائل من الفنون عبر تلك الأودية والشعاب، ويعود في غالبه إلى قرون الميلاد الأولى وبالتحديد إلى القرون الثاني والثالث والرابع للميلاد.

كان الرومان قد أسسوا، ومن أجل تأمين وحماية مدنهم على الساحل الليبي «لبدة وأويا وصبراتة» ما أسموه بأحزمة النار، وهي خطوط دفاعية عن تلك المدن، ضد تهديد الليبيين، ولحماية طرق ومحطات تجارة القوافل.

كانت «فرقة أوغسطا» قد تولت القيام بذلك فأنشأت نقاط الحراسة وحفرت الآبار وأقامت المزارع المحصنة التي يديرها ضباط متقاعدون، يعملون بالزراعة في أوقات السلم ويتصدون بالسلاح لهجمات الليبيين على مدن الساحل الرومانية.

شهدت الزراعة في تلك الحقبة ازدهارا كبيرا، بعد حفر الآبار وشق وبناء سواقي الري لتلك المزارع المحصنة، وصارت تلك التخوم من أهم مصدري الشعير والقمح لروما، حتى أطلق عليها اسم «إهراءات روما».

كانت «قرزة» قد نمت في تلك الفترة وتحولت إلى أحد مراكز «تخوم الصحراء» المهمة، وشهدت نهضة حضارية محلية، لا تزال آثارها ماثلة للعيان إلى حد الآن، فعلى الرغم من الحكم الروماني، تمتعت مناطق التخوم وخاصة « قرزة» بحكم محلي استند إلى الأعراف والتقاليد والثقافة المحلية وعبد سكانه معبوديهم ومؤلهيهم الليبيين وأبرزهم «مؤله الحرب الليبي قرزيل».

فن النحت، كفن ليبي خالص، شهد في تلك الفترة وتلك التخوم ازدهارا كبيرا، فقد ترك لنا فنانو تلك التخوم إرثا كبيرا من المنحوتات التي تصور عباداتهم وعاداتهم وتقاليدهم وتفاصيل حياتهم اليومية، من حرث وحصاد وجني ثمار ورعي حيوانات ورحلات صيد، وحفلات أعراس ومآتم، ويعتبر وإلى الآن، ما تركه أولئك الفنانون المحليون «إرث النحت الليبي الوحيد» الذي وعلى الرغم من تزامنه مع الإنتاج الروماني من فن النحت في تلك الفترة الممتدة من القرن الثاني وحتى القرن الرابع للميلاد، فقد اختلف في مواده وأساليبه وبالتأكيد في مواضيعه عن الفن الروماني، واقترب من الفن الفينيقي بشكل واضح.

النحت الليبي، اندثر تماما بعد تلك المرحلة من التاريخ الليبي، فلم يعثر على أي أثر ليبي محلي لهذا الفن، ولم يستأنف الفنان الليبي النحت إلا أخيرا، أي بعد انقطاع امتد لأكثر من خمسة عشر قرنا.

الليبيون، أكاد أجزم أنهم لا يعرفون ولا يرتبطون بهذا الإرث الفني الهام، بل وقد لا يصدق حتى فنانوهم ومؤرخوهم أن ثمة إرثا كبيرا من النحت الليبي، نحتاج إلى دراسته ومعرفته، وقبل كل ذلك، نحن بحاجة لجمعه وحفظه، فغالبه ما زال متناثرا بأودية وشعاب بني وليد ومزدة وترهونة، ويهدده التخريب والتهريب بالاندثار والضياع.

المتحف هو المكان الذي يحفظ هذا الميراث، وهو الذي لم ننجزه إلى حد الآن بكل أسف، وما زالت ليبيا بلدا بلا متحف للفنون، القديمة والحديثة، فلا تزال الفنون عامة خارج التاريخ الليبي، وما زلنا لا نشرك الفنون في كتابة سرديتنا التاريخية والوطنية، على الرغم من أنها كانت أهم كتاب ذلك التاريخ منذ ما قبل التاريخ وحتى الآن.

المتحف كركن أساسي من الدولة الحديثة، ظللنا نفتقده وظل مفهوما غائما ومجهولا، على الرغم من أن عمر المتحف في ليبيا الحديثة بلغ الآن قرنا من الزمان، فقد أسس الإيطاليون «المتحف» كركن أساسي للمدينة الإيطالية في شاطئهم الرابع منذ قرن أو يزيد، وظل المتحف بعيدا عن وعي الليبيين وخططهم للتنمية والتحديث، فلم تؤسس متاحف متخصصة، كالمتحف الحربي أو البحري ولم يؤسس، وهو ما يهمنا هنا، متحف للفنون في ليبيا، فليبيا تزخر بإرث فني هائل منذ فنون ما قبل التاريخ وحتى فننا المعاصر وهو مهدد، كما أسلفت، بالضياع وأهم أدوات الحفاظ عليه هي المتحف.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»