Atwasat

جدلية التعذيب والصمود

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 09 مارس 2025, 05:30 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

شاهدت، في المدة الأخيرة عدداً كبيراً من الفيديوهات القصيرة التي بها نتف من معاناة المساجين السياسيين المحررين من السوريين والفلسطينيين المقيمين بسوريا الذين قضوا فترات متفاوتة في سجون النظام السوري المطاح به. وبغض النظر عن موقفي الفكري والسياسي من توجهات القوى التي أطاحت بذاك النظام وطبيعة الأيديولوجيا التي تتبناها وموقفها من الديموقراطية والاعتراف بالآخر المختلف أيديولوجياً وفكرياً ومشروعها السياسي الذي تستهدف إنفاذه في الواقع، إلا أن ما استمعت إليه أصابني بالذهول والرعب.

أرعبتني تلك الضراوة المدججة بحقد لا بصر ولا بصيرة له التي كان يمارسها السجانون ضد المساجين العزَّل (من ضمنهم أطفال ونساء). لقد فاقت هذه الممارسات الممنهجة أي تصور لديَّ عما يمكن أن يلحقه الإنسان بـ«أخيه» الإنسان من أذى ويجريه عليه من تنكيل. ممارسات لا يمكن وصفها بأنها «حيوانية»، فالحيوانات لا تمارس التعذيب والتنكيل ضد بعضها. إنها تمارس اعتداءاتها على بعضها بمقتضى الغريزة وسد حاجات العيش المباشرة. أما هنا فإننا نشهد تفنناً في ابتكار طرق التعذيب ووسائله والإذلال الشخصي لكسر الإرادة وتحويل الإنسان المعذَّب إلى «كائن» خائر الروح والمعنويات ومشلول الإرادة والوعي.

لكن، وعلى الجانب الآخر، أذهلني أيضاً وأثار إعجابي بقاء هؤلاء المساجين على قيد الحياة محتفظين بقدراتهم العقلية ومواقفهم المبدئية ولم تنهر معنوياتهم وروحهم المقاومة المتصدية لهذه الممارسات التي تستهدف تجريدهم من هذه القدرات والمواقف والمعنويات والروح المقاومة.

لقد تصورت نفسي في مكانهم، وتساءلت هل يمكنني تحمُّل ما تحملوا والصمود مثلما صمدوا؟! وكانت إجابتي أقرب إلى القول باستحالة صمودي أمام هذا القدر من الضراوة والتنكيل. مؤكد أنني كنت لأنهار فاقداً تماسكي وعقلي وقد أجن أو أنتحر، إذا كان الانتحار ممكناً. ثم أستدرك، كل هؤلاء، في اعتقادي، لم يكونوا يتصورون هذا المستوى الممعن في لا بشريته ولا إنسانيته من التعذيب والتنكيل، ولم يكونوا يعتقدون أنهم سيصمدون، وإنما اكتشفوا هذه القوة الخفية في كيانهم أثناء الممارسة: ممارسة التعذيب، من جانب، وممارسة الصمود من جانب آخر.

طبعاً ثمة كثيرون لم يستطيعوا أن يصمدوا، ولا تثريب عليهم.
في كتابي «سجنيات» ثمة نص أروي فيه ما رواه لي سجين قبلي:
سلخ
«بعد أن أدخلت الزنزانة وانغلق في وجهي بابها الحديدي مقعقعا،» قال،«شعرت كما لو أن حركته الثقيلة المدوية تلك قد سحقت شيئاً من روحي.

حاولت تجاوز ذهولي والشروع في التكيف مع الوضع والمكان الجديدين.

أخذت أتفحص الجدران الكالحة الواجمة التي تعتصر المساحة الضيقة، بحثاً عن آثار من حلوا بهذا الحيز قبلي.

كان ثمة آثار وكتابات حفرت أو كتبت بوسائل ومواد مختلفة.

غالباً ما يكون مدوناً تحت الكتابة اسم صاحبها وتاريخ تدوينها.

تحت إحدى هذه الكتابات، سجل صاحبها أنه كتبها بعد انقضاء مدة أربعة عشر يوماً على وجوده في الزنزانة.

شعرت بهول شديد.
قلت هل يمكن؟!. هل يمكن لإنسان أن «يعيش» في مثل هذا المكان كل هذه المدة؟!. مستحيل!. لا يمكنني ذلك. سأنتحر، إذا لم أمت.

سلخت فيها سنتين، بتمامهما!!».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»