Atwasat

حكاية رواية قطعها الزمن!

سالم الهنداوي الخميس 06 مارس 2025, 01:51 مساء
سالم الهنداوي

تماثلت الكتابة عن المدينة القديمة في الكثير من الأعمال العربية والعالمية، وقد كانت الرواية هي الفن الأبرز الذي استوعب كل تفاصيل المدينة وشخوصها، أما القصة القصيرة فكانت دائماً اللحظة أو الجزء الأصغر الذي يختزل تلك الرواية في شخوصها وتفاصيلها. فلغة السرد في القصة القصيرة هي الأداة المكوِّنة لتشكيل النص. فالعبارة ودلالاتها صارت متناً للنص ورؤيته؛ بل صارت اللغة في بصرياتها الموحية، في التجريبية، هي شكل النصّ ومضمونه.

في فن الحكاية التي أعتبرها الأم الشرعية للرواية، كانت اللغة أيضاً متناً للنصّ ورؤيته، لكنّها، أي اللغة، لن تكون أبداً شكلاً لنصّ الحكاية في مشهديتها المكانية والزمنية، وإن بدا ذلك مهمّاً في بعض النصوص غير الواقعية.

إن التجريبية التي سادت في القصّة القصيرة خلال الخمسة عقود الماضية وكانت تبحث -برؤيتها النقدية المنطقية- في إشكالية التخلص من القوانين الوضعية التي صاغها الكلاسيكيون قبل منتصف القرن الماضي، أدّت إلى شكلٍ جديدٍ من الكتابة، جمع بين جماليات السرد في القصة الجديدة وقصيدة النثر، وكانت اللغة، والاستخدامات الذكية لها، هي القاسم المُشترك الذي استأثر باهتمام هذا الجيل من المبدعين جعلهم في الصيرورة يبحثون في جماليات اللغة والنحت في عباراتها ومفرداتها.

في تجربتي مع «الحكاية» التي بدأتها منذ مطلع السبعينيّات، حاولت أن تكون لغتي قريبة من الناس، لغة حكي تتشكّل مع النصّ ولا تهمل جماليات السرد. تأخذ من المكان صفاته وشخوصه وتلاوينه، ومن الزمن تاريخه وأحداثه الاستثنائية. ولقد كان المشهد الستّيني في بنغازي غاية في الفلكلورية، حيث كانت المدينة أشبه ببيت واحد قديم تسكنه كل العائلات بعفوية تجسِّد تلك القيمة الاجتماعية في العلاقات وتجانسها بين أبناء المدينة التي بقدر ما كانت تتّسع وتتّجه إلى الحداثة، بقدر ما كانت تحتفظ بتلك القيمة الجمالية. كانت تلك الظروف أيضاً قاسماً مشتركاً بين سُكّان المدينة القديمة، حيث كان سُكّان الحي الواحد- سيدي خريبيش مثلاً- يتقاسمون خبز الفرن العتيق ويتقاسمون الماء من الوارد، وفي المساء يتقاسمون الكيروسين من الفحّام، يضيئون مصابيح الشوق إلى الحكايات والقراقوز، ويصنع الأطفال ألعابهم الموسمية، يعانقون متعة الأيام الحلوة على الرغم من الفقر والعوز.

أنتجتُ في مطلع السبعينيّات عدداً من الحكايات أصدرتها بعد ذلك في كتابٍ أسميته «علاقة صغيرة» وخلال الثمانينيّات والتسعينيّات وأثناء إقاماتي لفترات طويلة بين طرابلس واليونان وقبرص، كانت بعض القصص التي نُشرت ضمن مجموعات (الأفواه) و(أصابع في النار) في طرابلس، و(ظلال نائية) في بيروت، و(نافذة الغريب) في القاهرة، تدور في ذلك الفلك الحكائي الشعبي. وقد أدركتُ في تلك الفترات أنه كان بإمكاني فعلاً كتابة رواية طويلة عن بنغازي القديمة، بل كتابة روايات، لو توفر لي بعض الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، والنفسي أيضاً، إذ إن كتابة وجدانية طويلة من هذا النوع تحتاج إلى مساحة كبيرة من الوقت، ومن التأمُّل والاستذكار، لكن النتيجة التي خرجتُ بها هي أنني لا أستطيع كتابة الرواية في مكان الرواية، فكان المكان الذي اختفى عن الوجود، تقريباً، وصار مجرّد أطلال من حجر وخشب وصفيح، ينأى في الزمان مع البديل الصناعي لمدينة أخرى نشأت في فراغ الأرض، ولم تبق من تلك الذاكرة المعنية بتفاصيل المكان سوى وجوه غابت في الزحام الكبير حتى تلاشت.

فحملتُ الحنين معي في أسفاري، وكنتُ في حلّي وترحالي أتأمّل تلك المشاهد القديمة كلما تذكّرتُ بنغازي وكلما شدّني الحنين إليها. وعندما عزمتُ على طباعة مجموعة حكايات (علاقة صغيرة) بعد نفاد طبعتها الأولى، أردتُ أن أكتب تقديماً صغيراً أشير فيه إلى فترة كتابة هذه الحكايات وفترة حياة هذه الحكايات في الستينيّات، وكان أن شرعتُ في جمع تلك الحكايات من جديد مضيفاً إليها ما لم يُنشر سابقاً وبعضها كان قد أذيع في إحدى دورات برامج شهر رمضان في بنغازي مطلع الثمانينيّات، وفي التقديم الذي حاولتُ فيه عرض مشهد صغير من علاقتي بالمكان، وجدتُ نفسي أسترسل في كتابة سيرة حياة عن تلك الفترة بكل تفاصيلها ربما، حتى أن ما بين يدي قد تحوّل إلى سيرة ذاتية للمدينة وللكاتب، وصار التقديم في حجم رواية كانت تأخذ مداها من التعبير وسرد التفاصيل.. ولا تنتهي، لكنّي قطعتُ عن الاستمرار في التداعي بكل ما أحاقه من مشاعر الفقد والألم، وتوقفتُ عند زمن معيّن مكتفياً بهذا السرد الملمحي وبضرورة العودة إلى المكان لمرّة واحدة بعد أربعين عاماً، وكانت تلك المرّة بمفصلها التاريخي المُهمّ في حياتي وحياة المدينة، هي ما كشفت عن شكل ذلك الحنين الغامض إلى بنغازي، وكانت هي المرّة الأولى التي اختزل فيها بلغة وجدانية كل ما يُمكن سرده في رواية لا تنتهي، وبنغازي بهذا المعنى لا تكفيها رواية واحدة، فهي رواية لم تكتمل ولن تكتمل، وإن غابت بعض فصولها عن الوجود.

لذلك أحببت في تجربتي في (عودة الولد الصغير) أن أعود بجيلي إلى تلك الفترة من الحياة في بنغازي، وأن لا أخرج عن تيمة الحكاية تمهيداً لمشاهد أخرى في حكايات صغيرة أخرى كان يجب أن تكون في تفاصيلها الصغيرة وبنفس الأثر الذي تركته مجموعة (علاقة صغيرة). وهكذا كانت سيرة المكان من سيرة الكاتب الذاتية في محاولة لتأكيد واقعية المكان بكل ما فيه من تناقضات وظلاميّات وفرائحيّات جمعتنا معاً ذات زمن في مكان كان يشبهنا تماماً وكُنّا جزءاً منه يتشكّل فينا ونتشكّل فيه.. وتلك كانت بنغازي في ذاكرتي التي لو كان لها الوقت الكافي من التذكُّر لكنتُ كتبتُ عشرات الروايات عن مدينة كانت تجمع من التفاصيل والأحداث ما يجعلها في العمل الملحمي من أروع مدن الشمال الأفريقي بأسره، فبنغازي التاريخ الكائنة في المكان، تستحق منّا أن نغمرها بفيض حُبٍّ لا يموت، ولعل هذا الحُب الآسر لبنغازي كان وراء هذا العطاء المتواضع لبنغازي أم العطَّائين الأوفياء من أدبائها ومثقفيها، ولعله أيضاً سيكون البداية لمشروعات روائية قادمة، لي ولغيري من أدباء جيلي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»