Atwasat

العمل الأخلاقي

محمد عقيلة العمامي الإثنين 03 مارس 2025, 11:26 صباحا
محمد عقيلة العمامي

(البرت شوايتزر 14\1\ 1875- 4\4\1965) عالم موسوعي في مجالات عديدة، فهو طبيب وموسيقي ورجل دنيا ودين. سنة 1952 حاز على جائزة نوبل للسلام عن عمله حول فكرة قدسية الحياة، التي يرى أنها واحدة من أكبر مساهماته للبشرية، وأن اضمحلال الحضارة الغربية يعود بالأساس إلى التخلي عن الأسس الأخلاقية.

ولقد أعرب عن قناعته الراسخة بأن احترام الحياة هو أعلى مبدأ يجب التحلي به. الحياة والحب في رأيه يستندان ويتبعان هذا المبدأ، ألا وهو احترام كل مظهر من مظاهر الحياة الشخصية منها، أو الروحية تجاه الكون كافة. الأخلاق وفقًا لرؤيته، تكمن في الالتزام الكامل بإظهار الإرادة في العيش من كل كائن مخلوق كان. ويتعين أن ننتبه إلى أن الظروف التي تمنعنا من أداء التزامنا، لا ينبغي أن تهزمنا لأن رغبتنا في العيش هي في التطور والتجدد الدائم المستمر.

أخذني مقال كتبه قبيل وفاته سنة 1965، حينها كان قد بلغ التسعين من عمره أعرب فيه عن احترامه للحياة، مؤكدًا أن هذا الاحترام هو جوهر الإنسان الحقيقي باعتبار أن الإنسان، هو بالضرورة أخو الإنسان! وثمة ثلاثة أنواع من تقدم الإنسان تجعله كذلك، وهي التقدم في المعرفة والتكنولوجيا، وتقدمه في سبيل أن يكون اجتماعيًا، أما الثالثة وهي التقدم الروحي، ويرى أنه الأكثر أهمية. فالإنسان ما إن ينتبه أنه لا يمكن اعتبار وجوده أمرًا عاديًا، بل غامضًا حتى يبدأ التفكير، لأن التأكيد على أهمية الأخلاق للحياة هو بدء عمل إنساني لا يتوقف، وهو ما يجعل المرء يدرك قيمته الحقيقية ومن خلالها يعي ضرورة الإحساس بالتضامن مع المخلوقات البشرية الأخرى!

لعلنا منتبهون إلى أهمية التضامن مع البشر أينما كانوا، وبالتأكيد نحن نعرف أنه كلما أوغلنا في البدائية، بمعنى العودة إلى الوراء انتبهنا أن هذا التضامن كان عند الإنسان البدائي مقصورًا على علاقة الدم: يعني أسرته قبل قبيلته، فلم يع الإنسان أن الرابطة الإنسانية تعني أن رفاقه في مستشفى، مثلا، مرتبطون بعلاقة أساسها الإنسانية، ولا شك أننا ننتبه كيف أن المريض في عنابر ما في مستشفى يهتم كثيرًا بابن عمه، وقبله أقرب أقربائه ويقل دفء هذا الاهتمام كلما ابتعدت علاقة الدم، ثم تأتي اللغة، وبعدها الدين، ثم الجنسية، صحيح أن إنسانًا من ليبيا يهتم بآخر من اليمن قبل ثالث من نيكاراجوا ولكنه في العموم يعي تمامًا أن مسؤولياته بالضرورة تتسع حتى تشمل الإنسانية كافة.

إن هذا العالم الإنساني الموسوعي، من أبرز من نادى أن الناس، كل الناس أنداد له، وجيران، وإخوة، وسريعًا ما ينتبه أن مسؤوليته تجاههم تتسع حتى تشمل المخلوقات البشرية كافة. وأن هذه المسؤولية واحدة في معظم الأنظمة الدينية وهي فلسفة فرض الخالق على العقل قبولها والتسليم بها، فالإنسان ينتمي للإنسان ولذلك الاقتراب منه فرض ضروري، ويستطيع الإنسان الانتباه له، بمراقبة مخلوقات الله كافة، بما فيها تلك التي لم يخلقها بعقل فما بالك بمن خلقه الله بعقل وقدرة مبدع ومبتكر.

فافتح عينيك، وابحث عن إنسان يحتاج إليك وساعده، وستنتبه إلى حجم الرضا والتناغم النفسي والسمو الذي يرقى بها نحو حديقة الإنسانية كلية الهناء والجمال والاستقرار النفسي. فعصرنا، كما قال هذا الرجل الموسوعي: «يجب أن يحقق التجدد الروحي، ويكشف لنا أن العمل الأخلاقي هو أسمى حقيقة منحها الخالق للإنسان».



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»