Atwasat

رمضان والصيام وما أبقت الأيام

أمين مازن الأحد 02 مارس 2025, 04:59 مساء
أمين مازن

لئن قُدِّرَ لهذا الاستحقاق أن يؤدى فليس لي أن أستثني ما درجت عليه وأعلنته من سرعة ارتباطه بسابقه في المثول أمام المتلقي الذي يبدأ بيوم الإثنين على خلفية أنني منذ سنة مضت رجحت خيار الارتباط بهذه البوابة بما امتازت به من جدية الفريق المشارك والإشراف المهني والتاريخي المتفق في النهاية مع ما أتمناه تجاه الكتابة، من حيث هي رسالة وجبهة وجزء من الصراع، وليس أمامي غير القبول بالمتاح والمساهمة بالممكن، دون التنصل من الذكريات المتصلة بالتجربة والمرحلة والرموز، تلك التي يضمها مجتمعة رمضان المبارك والذي كثيرًا ما نَعَتُّهُ في بعض كتاباتي بضيفنا، لما أحمله في الذاكرة التي لم تنس يومًا تجربة الصوم الأول مع الأهل والمشاركة في نافلة صلاة القيام عندما رتّبها فقهاؤها الذين أفلحوا في تكويننا الأول بتدقيق الحفظ وصحة الرسم وسلامة التلاوة، ولا سيما عندما أضفنا للتلاوة بروايتهم وضبطهم ما تيسر لنا من مبادئ النحو وتذوق بعض نصوص الأدب من طريق شيوخ لن نغمطهم حقهم ولم ننكر جميل فضلهم، فداومنا على التواصل معهم والإعلاء من شأنهم وإعطائهم حقهم فيما تسنى تحريره سيرةً أو تدقيقًا لما أنجز غيرنا ممن احتفظنا عن تكوين النشأة وتحديد ما تيسر من المواقف وما اتسمتْ به من تجنب الفضول والحذر من التردد على كل ذي شأن لا مهرب من أن يضع صاحبه في قوائم المشكوك في استقامتهم والمطعون في نزاهتهم. إنها الأخلاقيات التي انغرست من ذلك الواقع القروي الصغير إلى أن شاءت الأقدار أن صارت الإقامة بالمدينة الكبيرة وقضاء الكثير من ليالي الصوم بها منذ الشباب الأول، ويكون حديث وجهائها في أكثر من تجمع عن ترفع الكثير من الأسماء عن سهرات أصحاب السلطة مكتفين بدروس أبرز الرموز في أشهر المساجد وأعرَفِها كأحمد باشا والناقة وميزران ولاحقًا بورقيبة حيث المسلاتي والقلهود والقماطي والجنزوري وبوشعالة والغرياني مع حفظ الألقاب بالطبع، أولئك الذين لم تسل لعاباتهم على الموائد الرسمية ورحلات العمرة غير المبرأة من الغرضية، حيث الاعتزاز المشرِّف بالنفس والتنزه الصارم عن الشبهات، ويكفي أن نذكر هنا ذلك الحوار الذي نشرته جريدة طرابلس الصادرة عن المطبوعات والنشر عن التشكيك في إمامة الشيخ شاهين لصلاة الجمعة في أحد مساجد المدينة عندما قدم من مصراتة التي حل بها للعمل في معهد القويري، وقد جاء على الأرجح لمقابلة الملك فرأى أحد الشيوخ عدم استقامة الإمامة مع المذهب المالكي مذهب الجمهور، وقد اتخذ الشيخ المذكور من مقابلته للملك مناسبة لنشر سلسلة من المقالات عنونها قائلا من وحي المقابلة الملكية تاركًا جوهر الموضوع الذي هو أساس الحوار ودافع نشر الرأي بالصحف، وكانت المدينة كلها تتناقل ما نشر حول تلك الإمامة والتي لم تكن في حقيقتها سوى جرس إنذار قُصِدَ به أن بالمدينة من لم تصرفه إمكانات الخطابة وحتى الكتابة الصحفية عن الرأي الفقهي المنبثق عن المراجع الغنية بالنصوص العصية على الاجتهاد مُعَبّرين ضمنيًا عن أن استقبال الشيخ المذكور من طرف ملك البلاد لا يعني بالضرورة عدم التمسك بما يرى علماء البلاد من واجب الاقتداء بمرجعيات العلماء وليس كبار المسؤولين. وها نحن بعد ستين سنة ونيف نتذكر هذه المواقف الخالدة في هذه المدينة فنعيد ما جرى عسى أن يكون عِبرةً لمن يعتبر ودافعًا لمن يريد أن يتذكر في رمضان المبارك حيث ليلة القدر والليلة التي خير من ألف شهر، أو ذكريات الصيام وما أبقت الأيام.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»