Atwasat

إحاطة ديكارلو.. فشل المقاربة الدولية وضرورة رؤية وطنية شاملة

أحمد زاهر الإثنين 24 فبراير 2025, 07:49 مساء
أحمد زاهر

في 19 فبراير 2025، وقفت روزماري ديكارلو وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام أمام مجلس الأمن لتقديم أول إحاطة لها منذ تكليفها بقيادة الملف الليبي. جاء الخطاب في ظل أزمة وطنية تتأرجح بين فوضى سياسية مستمرة وخلل اقتصادي عميق وهشاشة أمنية مزمنة، إلى جانب الانتهاكات المتواصلة لحقوق الإنسان. وبينما تُقدم الأمم المتحدة مبادرات تقنية مثل تشكيل لجنة استشارية لمراجعة التشريعات الانتخابية، يبقى السؤال الأساسي: هل تُعالج هذه الإجراءات جذور الأزمة الليبية؟

*التحديات الجوهرية
1. العملية السياسية والتشريعات الانتخابية بين الحلول الفنية والواقع المؤلم..
أشارت الإحاطة إلى تشكيل لجنة استشارية تضم 20 خبيرًا (منهم ثلاث نساء) لتقديم توصيات تهدف إلى إزالة العقبات التي أدت إلى تعليق الانتخابات الوطنية منذ إلغائها في ديسمبر 2021. وعلى الرغم من أهمية هذه المبادرة كخطوة فنية لإدارة الجمود السياسي، فإنها لا تصل إلى معالجة الخلافات الأساسية حول الهوية الوطنية ونموذج الحكم، مما يعكس غياب الإرادة السياسية الشاملة لإعادة بناء العقد الاجتماعي.

2. الانقسامات المؤسسية والصراع بين الشرق والغرب..
يتجلى في الخطاب استمرار الصراعات على مؤسسات الدولة؛ إذ يشهد المجلس الأعلى للدولة انقسامًا ناتجًا عن نزاعات على السلطة، فيما يظل نزاع الميزانية الوطنية عالقًا رغم المحاولات الرامية لتحقيق توافق. هذا الانقسام، الذي يمتد إلى الفجوة الجغرافية والسياسية بين الشرق والغرب، يُظهر بوضوح أن غياب رؤية وطنية شاملة هو العامل الرئيسي في تفاقم الانقسامات.
 

3. النزاع حول الموارد النفطية وغياب رؤية توزيع الثروة..
يعكس الصراع الدائر حول إدارة عائدات النفط – المصدر الرئيسي للدخل الوطني – عدم وجود رؤية واضحة لتوزيع الثروة بين مناطق البلاد. إن التنافس على السيطرة على هذه الموارد يؤدي إلى استغلالها لصالح مصالح ضيقة، مما يفاقم الفوارق الاقتصادية ويضعف قدرة الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية، ويشكل عائقًا أمام الإصلاح الاقتصادي الجذري.
4. غياب مؤسسة عسكرية موحدة وانعدام الاتفاق على أسس السيادة..
يتجلى ضعف الوضع الأمني في ليبيا من خلال غياب مؤسسة عسكرية وطنية موحدة؛ إذ تُترك الميليشيات والجماعات المسلحة لتسيطر على أجزاء من المشهد الأمني. إن هذا الافتقار إلى اتفاق حول أسس السيادة الوطنية يستدعي ضرورة بناء عقد اجتماعي شامل يتم الاتفاق فيه على المبادئ الأساسية لتأسيس جهاز أمني قادر على نزع سلاح الميليشيات ودمجها ضمن هيكل وطني مستقل.

5. الأزمة الاقتصادية والفساد المؤسسي..
تشير الإحاطة إلى غياب إطار مالي موحد وإجراءات شفافية في إدارة عائدات النفط، مما يؤدي إلى اضطرابات مالية متفاقمة. إن انتشار الفساد وضعف المؤسسات الرقابية يؤكدان ضرورة إصلاح اقتصادي جذري يقوم على تفكيك المركزية وإقرار نظام حكم محلي موسع يضمن توزيعًا عادلًا للموارد، ما يسهم في تقليل النزاعات حول الثروة الوطنية ويشكل قاعدة إيجابية نحو تحقيق المصالحة الوطنية.

6. المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية بين الإعلانات والواقع..
على الرغم من تبني «ميثاق المصالحة» في أديس أبابا تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، لم يحظَ الميثاق بإجماع الأطراف الليبية كافة، خاصةً بعد التعديلات البرلمانية التي أدت إلى زعزعة الثقة في العملية برمتها. من الضروري أن تتحول المصالحة إلى آلية شاملة تقوم على العدالة الانتقالية، تشمل جميع الفئات، ولا سيما المهاجرين الذين يمثلون جزءًا مهمًا من معاناة الأزمة.

* لماذا تفشل المبادرات الدولية؟
1. تكرار النهج دون مراجعة الأخطاء السابقة

رغم تعيين العديد من المبعوثين الدوليين إلى ليبيا، آخرهم السيدة تيتيه التي نأمل أن تكون الأخيرة، فإن النهج الفني القائم على ترتيبات انتخابية وإجرائية، لم يُعالج جذور الأزمة – انهيار العقد الاجتماعي وتفكك مؤسسات الدولة لصالح الميليشيات – مما يستدعي إعادة النظر في الاستراتيجية المتبعة.

2. غياب الرؤية الوطنية الشاملة..
تفتقر المبادرات الحالية إلى آلية لإشراك جميع مكونات المجتمع الليبي – بما في ذلك الشباب والنساء والفئات المهمشة – في حوار وطني يضع رؤية مستقبلية موحدة للدولة. دون اتفاق واضح على القضايا الكبرى مثل توزيع الثروة وتنظيم السلطة، ستظل الإصلاحات موقتة وغير قادرة على تحقيق الوحدة الوطنية.
3. تأثير التدخلات الخارجية..
أصبحت ليبيا ساحة لصراعات بالوكالة، حيث تتدخل قوى خارجية لتحقيق مصالحها، مما يزيد من تعقيد الملف الليبي. وهذا يؤكد ضرورة تفعيل آليات تضمن استقلالية العملية السياسية والأمنية في البلاد بعيدًا عن الضغوط الخارجية.
* نحو رؤية وطنية شاملة لإعادة بناء ليبيا
إن تحقيق السلام والاستقرار في ليبيا لا يعتمد على حلول فنية موقتة، بل يستلزم رؤية وطنية شاملة تُعيد بناء العقد الاجتماعي والمؤسسات الأساسية للدولة. في هذا السياق، يجب أن ترتكز الحلول المستقبلية على النقاط التالية:
• إصلاح اقتصادي جذري..
يتطلب تفكيك المركزية وإقرار نظام حكم محلي موسع يضمن العدالة في التنمية، مما يُساهم في تقليل النزاعات حول الموارد وتوزيع الثروة بشكل عادل.
• إعادة هيكلة الجهاز الأمني..
يجب أن يُبنى الجهاز الأمني على أساس عقد اجتماعي شامل يتفق فيه الجميع على المبادئ الأساسية للسيادة، بحيث يُصبح من الممكن نزع سلاح الميليشيات أو دمجها ضمن هيكل وطني موحد بعد الوصول إلى توافق حول المسائل الكبرى.
• عملية مصالحة وطنية شاملة..
ينبغي إشراك الفئات كافة، ولا سيما المهاجرين والفئات المهمشة، في آلية عدالة انتقالية تُعالج جرائم الماضي وتضمن حقوق الضحايا، مع محاسبة مرتكبي جرائم الحرب بشكل مستقل وشفاف.
• تحقيق توافق حول القضايا الكبرى..
يظهر الانقسام بين الشرق والغرب، والنزاع حول الموارد النفطية، وضعف المؤسسة العسكرية الموحدة أن الحل يكمن في الوصول إلى إجماع حول الأسس التي تُشكل حجر الزاوية للسيادة الوطنية واستقرار الدولة.
بتبني هذه الخطوات المتكاملة، يمكن لليبيا أن تخطو نحو مستقبل يُحقق آمال شعبها، حيث تُبنى الدولة على أسس من العدالة والمشاركة الوطنية وتُرسّخ سيادتها، مما يُضع حدًا للصراعات التي أرهقت البلاد لعقود طويلة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»