Atwasat

الكتابة وخطاب السرد الدلالي (3-4)

سالم الهنداوي الخميس 20 فبراير 2025, 10:31 صباحا
سالم الهنداوي

تنامت محاولات التجريب الأدبي على يد جيل الشباب مطلع سبعينيات القرن الماضي، في الشعر والقصة القصيرة، صاحبتها حركة نقدية ثائرة اصطدمت مع مناهج النقد التقليدي في الكثير من تعريفاته ومفاهيمه. وكان من نتائج تلك التجربة الشبابية الجديدة انتشار قصيدة النثر على مرجعية التجديد الشعري الذي انتهجته مدرسة «أبولو» في القاهرة خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وجماعة مجلة «شعر» في بيروت خلال الخمسينيات، وهما المجلتان اللتان أسستا للشعر الحديث وقصيدة النثر، وكان منهما روّاد الحداثة الفكرية التي صاغت الكثير من المفاهيم النقدية في تجربة الكتابة، ليتأسس النثر/ السرد على تمظهرات جماليات اللغة بوصفها ركيزة العملية الإبداعية، وقد صاغت تجربة الحداثة أشكالاً إبداعية للتعبير الأدبي بتعريفات جريئة، مثل «قصيدة البياض» و«النصّ المفتوح» إلى «قصيدة الهايكو».. لكنّ تلك التعريفات راوحت بين المفاهيم النقدية المختلفة وانصهرت إلى تعريفها بـ«الكتابة» ليتخلق النص الإبداعي من جديد بعمقه اللغوي في ثنائية التعبير، النثرية والسردية.

يقول الكاتب المغربي «صدّوق نورالدين» إن الكتابة الأدبية في مفهومها، فعل جسدي ينبني على فاعلية الذهني في ممارسة عملية الوعي والإدراك، فما يتحقق إخضاعه للوعي والإدراك يثبت لغة، حيث يتعلق بالذاتي في صيغته المحض، ولئن كان كل ذاتي مفرداً يحوي الجمعي ويقوله، فمن الممكن ارتباطه بغيره، بما يمثِّل الخارج في تفاعلات صراعاته. ويحدث في سياق عملية الإنتاج، الجمع بين الذاتي/الداخلي، والآخر/الخارجي. ومن ثم فالكتابة الأدبية إعلان عن ذات، هوية، وعالم لم يكن وقد صار إلى الحضور. بيد أن ما يفعّل الحضور، وعي وإدراك التلقي. وكأن العملية صراع تفاعل بين وعيين وإدراكين. لكن الكتابة ككتابة لا تنحصر في الهُوية الأدبية، إذ من الممكن توافر عناصرها لمن يأنس حدود الأدبي، وبالتالي يمارس حسب الاكتفاء الممتلك من/وباللغة. إنه لا يجسِّد كفاءة واقتداراً وليد تملُّك صنعة الكتابة وبلاغة التأليف. وثم يبرز التباين بين مسافة الاكتفاء (ندرة) والكفاءة (وفرة). وتعود الأخيرة إلى حيازة الميْل النفسي الذّاتي للتعبير، كما إلى القراءة والانفتاح على ثقافات العالم، فلا كتابة أدبية دون قراءة أدبية وفلسفية في الجوهر والعُمق.

إن الكتابة الأدبية كمُنجز، كصوغ ينهض بوظيفة التعبير، تتفرّد باشتراطات في غيابها لا يتأتى الحديث عن كتابة أدبية، وكنا قد لمحنا إلى كفاءة اللغة، وامتلاك الصنعة، إذ من خلالها يمكن بناء عالم خيالي على أنقاض واقعي معروف. نصٌّ أدبيٌّ خيالي تؤسسه اللغة، ونصٌّ واقعيٌّ يؤسسه الوجود، على أن الغاية لا تتحدّد في قول الأول/الثاني وفق ما هو عليه، كأن الأمر يتعلّق بانعكاس أو محاكاة يعلو عليها النصّ الأول والثاني، فبالخيالي تفرض الكتابة الأدبية سلطتها، وتخلق عالمها الممتد في الزمن والمكان، وقارئها المجهول.

إن عالم الكتابة الأدبية بحسب تعبير «صدّوق نورالدين» يهب الصورة، الصورة التي تؤسِّس وجودها من واقع ليس المعروف المتداول، وإنما القائم على بلاغة خاصيتها الترتيب، الحذف، التقديم والتأخير. فالخاصيات تستهدف المتلقي إبلاغاً وإقناعاً، ومن ثم، تخلق أسئلة النص القلقة والمقلقة أيضاً. الأسئلة الناهضة عمّا تثيره الثقوب والبياضات التي قُصد تركها وفق ما هي عليه، فالكتابة الأدبية ما كانت ولن تكون تامة المواصفات في المُطلق، وإنما القيمة في الإثارة وخلق قارئ على تباينه، يمتلك قدرات الفهم والتأويل. على أن الكتابة الأدبية في صورتها البلاغية الهادفة الإقناع، لا يتشكّل بناؤها على الصورة ذاتها، وإنما تتمظهر في أجناس أدبية محدّدة من طرف المؤلف، وتعامل من طرف قارئها وناقدها بما دعي/يدعى ميثاق القراءة، ذلك أن شخص المؤلف وهو يشكل الصورة يستحضر مكوِّنات تحقق التواضع عليها، وبانتفائها لا يمكن اعتبار القصيدة كذلك، وقس الرواية، القصة، المسرحية، السيرة الذاتية، وما يندرج في أفقها (اليوميات، المذكرات، الرسائل، الاعترافات والتأملات). لكن إن بدا الأمر بمثابة حدود، فالمؤلف يحتمي بالتجريب لتكسير المتواضع عليه، إذ قد يلوذ إلى (الضمّ النصّي) حيث يمثل ضمن جنس الرواية الصوغ الرسائلي، اليومياتي أو الرحلي فيغدو الجنس الأدبي جمعاً في مفرده، إلّا أن الثابت الصفة الهوياتية للكتابة الأدبية، مادامت جسر العبور إلى قراءة وفهم وتأويل معنى المكتوب.

لكُل كتابة مقاصدها في التأويل، وهي الكائنة الحية في صميم مغامرة التجلّي لكسب الوجود بها، وقد اكتسبت الكتابة شخصياتها من تجربة مبدعيها، الناثرين الساردين الحالمين الطالعين من يرقات الوجود، ضمن صيرورة زمنية متفاعلة برؤاها الاستشرافية في خيال الحياة.. وفي السياق ذاته يعتبر الكاتب «نورالدين» أن مقصدية الكتابة الأدبية إنتاج معنى لا يمكن إدراكه ووعيه إلّا وقد صار عالم النص إلى الحضور، دون الغفلة عن التباين الذي يحصل في الأفهام، والمحتكم لنوعية القارئ وطبيعة انفتاحه وتعامله مع النصوص الأدبية، لكن تاريخية الكتابة الأدبية، وبالتالي المعاني المتناسلة، تكشفان من الوجهة النفسية، عن المعاني المطبوعة بالحنين، الفقدان والألم والاعتراف. والواقع أن هذه رغم تباينها واختلافها تتقاطع وتتداخل ضمن الكتابة الأدبية الواحدة. فمثلما أن لا كتابة دون قراءة، فإنه لا كتابة دون ألم، فما يجترح نزعة التأليف الجرح القاسي. الجرح المترتِّب عن ألم طفولي، استبداد أسري، انتفاء للحرية، إبعاد ونفي بعيداً عن الوطن الأصل، خلع هوية حقيقية، مصادرة رأي أو موقف واعتقال ظالم. والواقع أن هذه المعاني تنسج ضمن الكتابة الأدبية نسيجاً ينزع توظيف التاريخي، الواقعي، العجائبي أو الذاتي. ومن ثم تقرأ وفق هذه التنويعات قراءة في ذاتها، أو غيرها لما تؤكد المقارنة، أو مسعى تفكيك الدلالة الرمزية.

إن رهان الكتابة الأدبية كخلق إبداعي، تخليق قارئ يمتلك ثقافة ومعرفة حداثية عقلانية، إذ بالرهان عليه، تحصل تربية مجتمع على التحوُّل من إعاقاته وصعوبات انتقاله. فلا مكانة لإبداع متقدِّم، في سياق مجتمع تقليدي ثابت ينشد إلى سياسة تعليمية متخلِّفة تمجِّد الاتّباع ولا تواكب التغيير. فلم يثبت أن الحداثة تعني التحديث، إذ قد تتوافر ماديات الأخير، في غياب العقل الذي يفعل ويتفاعل وماجرياتها.
في مطالعته التأمُّلية لخصائص الكتابة وتجلياتها في خطاب السرد الدلالي، يستجلي «صدّوق نورالدين» واقع الكتابة الأدبية في فرادتها، بالتركيز الأساس على الظاهرة السردية في تفاصيلها بحثاً عن خصوصيات، وإسهاماً في قراءة متحقِّقات هذه الكتابة في واقع عربي بلغ ذروة إعاقاته واستحالات انتقاله، وكأنه يومئ في خلاصاته بأحلام زمن ووعي نخبة، انتهيا لإخفاق بات يصعب ترسيخ إصلاح نهضوي يقاوم ظواهره السوداء والتقليدية.

انفتاحات كثيرة وتمظهرات حداثية فاعلة تنشأ في فضاء السرد العربي الحديث خارج الأنساق التقليدية، لكنّها انفتاحات محفوفة بمخاطر التغريب وفقدان الهُوية، فإن شئنا اعتبرناها مغامرة أدبية تحتكم لذائقة المتلقي لا بقابلية النقد التقليدي، ومن هُنا تتجدّد أسئلة الحداثة أمام هُويّات الكتابة في لحظتها الراهنة، كتابة الذّات الفاعلة من داخل اللغة ودلالاتها.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»