خلال أربعين عاماً عاشتها ليبيا تحت نظام ديكتاتورى قمعي فوضوى ترك آثاره المدمرة على كل شيء بدءا من الدستور ومؤسسات الدولة إلى وضعها الإقليمي والسياسي والاقتصادي إلى حياة المواطن العادي البسيط، من مظاهر شهدها كل العالم ويعرفها الجميع، لقد توحدت آمال الليبيين وتطلعاتهم إلى الحرية والعيش بكرامة وسط أحداث الربيع العربي الذي آذن بدخول المنطقة بأسرها إلى عصر جديد من التغيير ولم تكن ليبيا استثناءً.
وبغض النظر عن الظروف السياسية والدولية ومواقف القوى الكبرى في العالم والجو العام الذي حدث فيه هذا التغيير إلا أنه حدث في النهاية والآن في الذكرى لثورة فبراير أين نحن؟ وهل تحقق ما كنا نرجوه ونأمل به؟
* هل حققت الثورة أهدافها ؟
نحن أمام مشهد بالغ التعقيد: انقسام سياسي.. حكومتان في شرق البلاد وغربها تتنازعان السلطة.. فوضى سياسية.. تدخلات خارجية.. خطاب موجه واستقطاب حاد.. وحالة من الترنح وعدم الاستقرار.. إذن ما الذي نجحت فيه وحققته ثورة فبراير؟
* إسقاط نظام القذافي
نجحت هذه الانتفاضة الشعبية القوية في التخلص من حكم القذافي ولكنها لم تخطُ بعد ذلك خطوات حقيقية في اتجاه توحيد البلاد وخلق مناخ سياسي يسمح بالحوار المتبادل والتداول السلمي للسلطة والثروة وتحقيق الأمن والرفاهية والاستقرار الاقتصادي والسياسي
* انتخابات رئاسية وتداول للسلطة
أجريت انتخابات برلمانية ورئاسية فشلت في تحقيق استقرار يمهد لنظام سياسي وإقرار دستور للبلاد وأسفرت عن تشكيل حكومتين كل منهما لا تعترف بالأخرى مما أدى إلى غياب حكم مركزي قوى يحقق الاستقرار المنشود.
* الحفاظ على مقدرات البلاد وتحقيق أمن اقتصادي
لقد تأثر النفط الذي هو المورد الاقتصادي الوحيد لليبيا بشدة من جراء التدهور الأمني الذي عمّ البلاد وتعرض إلى أجندات خارجية تهدف للسيطرة عليه. كما أن انخفاض قيمة الدينار الليبي مع شحّ السيولة وارتفاع الأسعار أدى إلى تراكم أعباء الحياة العاديّة على المواطن الليبي.
* تحقيق الأمن والاستقرار
لم يستطع الليبيون تجنب ويلات الحرب فقد تم خوض حروب بين فئات وفصائل عديدة وعمّت الحرب الأهلية في الشرق والغرب وتعرّضت مدن بأكملها للدمار وسط انهيار أمني كبير الأمر الذي أدى إلى إعاقة الإعمار والتنمية وتردي الخدمات العامة وأثر على الأوضاع الصحية والإنسانية. وإن كانت البلاد اليوم تشهد محاولات دؤوبة وجهودا ملموسة للبناء وإعادة الإعمار.
* الدور الشعبي
إن الدور الشعبي الكبير الذي بدأ بثورة فبراير واستمر حتى سقوط النظام قد تراجع اليوم كثيراً في حين أن التحديات التي يواجهها الشعب الليبي اليوم أكثر وأكبر جديّة من التحديات التي واجهها أو كان يواجهها أيام النظام السابق، لقد بدا الأمر وكأن الشعب كان يلاحق أوهاما وتخيلات أوكان يحلق في سماء الأحلام والأمنيات، بوطن منقسم واقتصاد شبه منهار ووضع أمني منفلت ومستقبل غامض أدرك الليبيون أن ثورتهم قد سُرقت.. أو أنهم لم يقوموا بثورة من الأساس.
وأنت تجد اليوم كثيراً من الناس العاديين يعتبرون ثورة فبراير "نكبة" ولا يترددون في تسميتها كذلك وقد نلتمس لهم العذر بعد أن ذهبت آمالهم في الاستقرار والرفاهية أدراج الرياح وأصبح كثير منهم عاجزين عن توفير احتياجاتهم ولقمة عيشهم بعد أن كانوا في الحد الأدنى من إمكانية الحياة.
* السبل الممكنة لتحقيق أهداف ثورة فبراير
لإنهاء حالة الانقسام يجب توحيد الرؤية والإرادة الصادقة نحو مصالحة وطنية شاملة تتجاوز كل الخلافات والمصالح الضيقة وتهدف إلى التأكيد على وحدة الأرض والدم والانتماء.
توحيد المؤسسات وخاصة القوات المسلحة وتفكيك الميليشيات وإنشاء جيش موحد وقوي يدافع عن البلاد ومقدراتها ضد الأطماع الخارجية ويحافظ على أمنها واستقرارها.
تمكين الكفاءات الوطنية من تحمل مسؤولياتها وإنهاء حالة المركزية والتوافق على تقسيم السلطة والثروة بما يكفل تحقيق التنمية والرخاء للجميع.
* ملاحظات حول الوضع الثقافي
للأسف إن وزارة الثقافة الليبية مجرّد وزارة محاصصة وهي لا تقوم ولا تستطيع القيام بأي دور ثقافي بل لا تمثل الثقافة ولا الهوية الليبية.
بينما نحن نحتاج في هذه المرحلة إلى مشروع ثقافي ليبي شامل يجمع الليبيين ويعيد بناء هويتهم الوطنية. وهذا، في ظل انعدام وجود دور ثقافي مؤسساتي، يُناط بالمثقف الليبي فبالرغم من الانقسام السياسي والتدهور الأمني والتدخل الخارجي ما زالت النخبة المثقفة الليبية قادرة على صياغة خطاب ثقافي يجمع الليبيين حول هوية واحدة وهدف واحد ويتجاوز الاستقطاب السياسي والجهوي والمناطقي، خطاب ينشر قيم التسامح ويدعو إلى الحوار البناء ويقاوم النزعة إلى العنف والانقسام، يجب قيام فعاليات ثقافية تخلق فضاء خصبا لعودة الفن والأدب والشعر والمسرح والأنشطة الثقافية التي تحيي الوعي الاجتماعي وترسخ الشعور الوطني.
يجب إعادة الاعتبار للثقافة الليبية كثقافة لها أواصر وتاريخ وتراث وأصالة ونشرها عبر الوسائل المتاحة والوسائط الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، والتأكيد على أن الثقافة الليبية ثقافة تجمع كل الليبيين وتوحدهم وتقدمهم إلى العالم كشعب يستحق أن يحيا سيدا في وطنه آمنا على أرضه لا تتقاسمه الأهواء ولا تفرّقه المطامع.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات