Atwasat

ستائر النسيان..

محمد عقيلة العمامي الإثنين 17 فبراير 2025, 12:30 مساء
محمد عقيلة العمامي

منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، كان لنا في بنغازي صديق، قدم إلينا، من (جنزور) من بعد تفجر البترول، في ليبيا ومجيء الشركات الأميركية للتنقيب عنه وتصديره. كان اسمه رمضان، أسود اللون تقاطيعه ليست زنجيه، بل هي أقرب إلى العربية، وكان يجيد اللغة الإنجليزية، إذ يبدو أنه جاء مع إحدى الشركات الأميركية، وكانت له سيارة حمراء رياضية، وسريعا أصبح من وجوه بنغازي المألوفة.

والحقيقة أنه لم يصبح صديقا قريبا من رفاق زمن شبابنا الجميل إلا في ثمانينيات القرن الماضي، وتمكن في مطلع التسعينيات من تحسين وضعه المادي، بعدما تركز في العمل والكسب في طرابلس في تسعينيات القرن الماضي، كان ذكيا سريع البديهة بذاكرة قوية، ولكنها خذلته في مطلع هذا القرن، حيث اكتشف أهله ورفاقه هذا الخذلان، من ذلك اليوم الذي أوقف فيه سيارته أسفل الجسر الكائن في طريق طرابلس- بنغازي عند مدخل مصراتة، متربصا لمن يقف له.

وقفت له عربة متجهة نحو مصراتة، سأله سائقها إن كان يحتاج إلى معونة، فشكره رمضان وقال له: «أنا فقط أريد أن أعرف أين أنا؟» فأخبره أنه في مدخل مصراتة. فأجابه مندهشا: «مصراتة؟ يا أخي أنا جاي إلى شارع ميزران من معرض طرابلس! فما الذي أوصلني إلى مصراتة؟». وسريعا ما انتبه الذي وقف له أن رمضان فاقد الذاكرة، وبالكاد تذكر اسم صديق لنا من مصراتة، فاتصلوا به، ورجع به في المساء إلى بيته في غرب طرابلس. هكذا فقد الذاكرة مثلما يفقد المرء قطعة نقدية في كومة قش! وظل فاقدها إلى أن رحل عنا من بعد أشهر من تلك الحادثة.

قد يكون كان لفقدانها إرهاصات، ولكنه لم ينتبه إليها إلا بعد أن تفاقمت، أو أنه تعايش معها وكأنها حالة عابرة، وبالتأكيد نسى أنها ليست حالة عابرة!

يبدو أن فقدان الذاكرة تفاقم حتى أصبح من أمراض هذا العصر المخادع الخطير، أو أنه موجود من زمن بعيد ولكننا لم ننتبه إليه، ولكنني اعترف، أنه بدأ يناكفني أخيرا! فكثيرا ما أذهب من مكتبي إلى المطبخ وعندما أصل أقف متسائلا ما الذي جاء بي إلى دولاب البهارات مثلا؟ أو إلى الثلاجة؟ وماذا أريد منهما؟ وعدة أمور مشابهة أخرى.

لقد كثرت عندي مثل هذه الحالات، وانزعجت كثيرا خصوصا بعد أن علمت أن أحد أصدقائي، وهو محامٍ، أصيب بهذا المرض اللعين، التقاه جاره فجر أحد الأيام بكامل قيافته يحمل حقيبته ومتجها نحو الشارع الرئيسي، فحياه وسأله عن وجهته فأخبره أنه ذاهب إلى المحكمة للترافع عن قضية لأحد موكليه! فرأيت أن أقرأ عن هذه (الطرمبة!) - أنا بالتأكيد- أعرف معنى هذه الكلمة، ولكن يبدو أنني نسيته! ولا أعتقد أنني أحتاج إلى تعريف هذا الداء، ولكن معرفة مغبته وسبل التغلب عليه أو علاجه قد يكون مفيدا!

يقولون، إن الذاكرة تحتاج إلى تمارين متعددة للحفاظ على نشاطها. فالمرء قد ينسى أسماء الأشخاص بمجرد أن جرى تقديمهم إليك؟ أو تضع المفاتيح في مكان وتنسى أين تركتها؟ أو تجد صعوبة في استرجاع ما درسته؟

يقال إنك لست وحدك من يعاني من ذلك، ولكن لا تستسلم، فثمة طرق لتحسين ذاكرتك. جريدة (الميرور) البريطانية سبق أن نشرت تسع نصائح حددها أحد الخبراء لتحسين أداء الذاكرة وتعزيز قدرتنا على استعادة المعلومات.

أولها: مزيد من الانتباه، بمعنى أن يتركز انتباهك تماما عندما تقابل شخصا ما، أو تقرأ كتابا تحبه، أو تستمع بشغف إلى حديث ما، فهذه أمور فعالة في عدم نسيانها.

ثانيا: لا تتوتر بسبب فقدان الأشياء، مثل المفاتيح أو المحفظة، فالاسترخاء، والهدوء هما ما يساعدانك على معرفة مكانهما الصحيح.

ثالثا: عليك أن تتخيل أشياء قد تبدو غريبة وأن تربطها بما تريد تذكرها، كأن تتصور قردا يجلس في ناصية الشارع، أو أمام المحل الذي تريد أن تصل إليه فذاكرة الدماغ تحتفظ بالصورة أكبر من قدرتها على الوصف المجرد.

فمن خلال التخيل تتعزز لديك الذاكرة البصرية والمكانية، إن احتفظ له بصورة تتخيلها، لأنها تعمل معك بمثابة محرك للذاكرة.

رابعا: بمجرد قراءة نص، انتقِ أهم كلمات منه واحفظها بصريا، فهي تساعدك في إعادة إنعاش الذاكرة مما يعزز قوتها. أغمض عينيك وحاول أن تتذكر وستنتبه إلى الفرق.

خامسا: ممارسة الرياضة، تساعدك على إنشاء خلايا عصبية تعزز اتصالات العقل. وبالمثل، النوم فهو بمثابة منظف للدماغ.

سادسا: تعلم أشياء جديدة، فهي وسيلتك لتنشيط روابط جديدة في عقلك، من خلال قراءة كتاب أو الدخول في تجربة اجتماعية لم يسبق لك تجريبها. لأنك عندما تتعلم شيئا جديدا، فإنك تنشئ روابط جديدة في عقلك.

سابعا: اجعل تحسين ذاكرتك عادة يومية.

ثامنا: مارس المهارات الصغيرة يوميا، وعود نفسك عليها، كحفظ شعرٍ، أو كتابة قصة، أو تخيل صور، أجعل مثل هذا النشاط عادة. ثامنا اعلم أن التأمل لمدة 3 دقائق فقط يعزز الذاكرة، فهو يساعد على التركيز.

تاسعا: وهو أمر غاية في الأهمية بل يصبح وسيلتك الرئيسة في تذكر أين وضعت أشياءك، فتلك من مشاكل النسيان، كل ما عليك فعله هو ربط الأسماء والأماكن بالصور وأن تربط وجوه الناس الذين تتعرف عليهم حديثا بصورة معينة، مثل جوهرة، غزال، أسد، بوق وأن تربط المعلومات عنهم بما اخترته من صورة. فهذه الطريقة تجعل من استرجاعهم أسهل وأسرع.
ويحفظنا الله ويحفظكم من ستائر النسيان!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»