Atwasat

مناقشات خيالية عطر المومياء والدكتورة المصرية نجمة (حلوان)

يوسف القويري الأحد 16 فبراير 2025, 06:23 مساء
يوسف القويري

«مقال لم ينشر من قبل للكاتب الراحل يوسف القويري»

كانت أمارات الشرود والقلق مرتسمة على وجه الدكتور «ديمتريوس»، فهم مجموعة من علماء العالم من مختلف الاختصاصات تعاهدوا على اللقاء مرة كل سنة ليفكروا في شؤون العلم والمعرفة دون أن يشكل لقاؤهم مؤتمراً رسمياً وبحيث يقوم كل واحد من المجموعة باستضافة بقية رفاقة مرة في السنة.

وقد رسا الدور هذا العام على الدكتور ديمتريوس، لكن الحاضرين كانوا ثلاثة فقط بسبب أن بعض الغائبين لا يحب السفر جواً أو بحراً أو براً في الشتاء وبعضهم الآخر مرتبط بالتزام محاضرات أو لجان امتحانات للطلاب الجامعيين أو الإشراف على رسائل دكتوراه.

كان الموجودون الثلاثة هم: الدكتور ديمتريوس هارماخيس عالم الأركيولوجيا اليوناني الكبير المختص بأمور المومياء والتحنيط الفرعوني وروبنسن كنود عالم الحشرات ذائع الصيت والدكتورة «إنجي شبريس» المشتغلة ذلك المرصد، إضافة إلى اختصاصها الأساسي بالتصوير الفلكي، وهي مسيحية مصرية عريقة المنشأ.

وبسبب العلماء المتغيبين كان الدكتور ديمتريوس شارداً وقلقاً أثناء جلوسه في شرفة الفيللا الفخمة التي ورثها عن أبيه. وكان أبوه بدوره عالماً مختصاً في اللغة المسمارية القديمة.

قال العالم «كنود» بصوت جهور عامر بالحيوية وهو في كرسيه قبالة الدكتور «هارماخيس» محدقاً في قسماته المتكدرة:
ـ حين كنا نتجه سوياً إلى جلستنا المسائية هذه أبديت لي عاجلاً انشغالك بغياب رفاقنا العلماء وظننت أنها مجرد ملاحظات عابرة وعادية فاكتفيت بالابتسام كإجابة لكن الشرود والقلق استمرا معك. ولست أدري دكتور ديمتريوس كيف غاب عنك أن المتخلفين عن الحضور هم معنا لأنكم كلفتموني جميعاً في السنوات السابقة بإرسال نصوص حوارنا إلى أى عالم غائب من علمائنا. ولذا فقد بعثت بنص جلسة اليوم الصباحية إلى الإخوة المتغيبين. وقد استعملت كالعادة جهاز الفاكس بواسطة شيفرة يعرفونها جميعاً.

فقال له الدكتور ديمتريوس بنبرات رنانة:
ـ عزيزنا «روبنسن» لا تهتم كثيراً، إنه مجرد إحساس عابر! وإنني أقدر ظروفهم.

كانت الريح تصفر بين هامات أشجار الصنوبر العالية خارج البيت في البراري وتشتد فتميل بأغصان حديقة البيت تحت الشرفات والبرق يمزق الفضاء الغائم وكان الرد شبيهاً بصوت المدافع الثقيلة يزلزل كل شيء.

واستطرد الدكتور ديمتريوس بصوت مختلف يفيض بالرقة والمودة والإشفاق:

ـ المطر يهطل بغزارة والجو بارد ونسبة الرطوبة مرتفعة.. تفضلا بالدخول إلى الدفء، فنهض ثلاثتهم وارتقوا بالدرجات الأربع عند عتبة الشرفة.
وبعدما اقتعدوا كراسيهم حول طاولة الاجتماعات واستشعروا الدفء بان الارتياح على وجوههم، وكانت الخادمة قد أغلقت باب الشرفة ونوافذها.

قال العالم «كنود» بامتنان:
ـ الدفء هنا دونما صهد على الإطلاق!

فقال الدكتور ديمتريوس:
ــ التهوية والتكييف المركزي منضبطان على أدنى درجات الحرارة بلا تيار هواء.

فعقب «كنود» على الأثر قائلا:
ــ هذا جيد جداً.
ثم أردف يخاطب الدكتورة «إنجي» بقوله:
ـ النيل.. هل تتفضلين بإطلاعنا على انطباعاتك عنه!

فتمطت الدكتورة «إنجي شبريس» في مقعدها الوثير وظلت لبرهة قصيرة ساكتة ثم لم تلبث أن قالت ببطء:
ـ النيل جميل وساحر ومؤثر بجغرافيته وتاريخ الإنسان القديم الذي استقر على واديه وضفافه.

وشربت قليلاً من عصير الليمون الفاتر ومعه قطعة حلوى فاخرة وأعادت تثبيت النظارة الطبية على عينيها بأناملها البضة ثم استأنفت كلامها:
ـ إن إيحاءات النيل كثيرة وهي، في مجملها قادرة على استثارة مشاعر الأنس والألفة. وهذا النهر العظيم المتجه دوما إلى مصبة اكتسبت عبر آلاف السنين سحنة إنسانية تدفع المرء للإحساس بالصداقة وتنفي عنه انطباعات الوحشة.

فارتفع صوت الدكتور ديمتريوس قائلاً:
ــ الحديث عن النهر يفتح الباب على مصراعيه للأركيولوجيا، وفي الواقع إن لديَّ استدراكاً.

فقاطعته الدكتورة «إنجي شبريس» بلهفة:
ــ هذا ما كنت سأنوه به قبل قليل، وقد سبقتني!.

فقال ديمتريوس فجأة:
ــ ما رأى البرفيسور «كنود»!

فأجابه العالم «روبنسن كنود» بعد هنيهة صمت:
ــ هنا ينبغي التذكير بأن الدكتورة «إنجي» هي التي فتحت هذا الباب اليوم صباحاً، وقد دشنت الدكتورة «شبريس» هذا الموضوع بملاحظة فائقة الأهمية حول عطر قماط المومياء الفرعونية الذي أشار إليه الدكتور ديمتريوس في الجلسة نفسها.

حينئذ عاجله الدكتور «ديمتريوس هارماخيس» قائلا:
ــ نعم لكنها ساقت ملاحظتها فيما يشبه الاحتجاج المغلف بالفكاهة، فكان قول الدكتورة «إنجي» مزاحاً للمسامرة أكثر من أي شيء آخر. ولتأذنا لي في توضيح ما قلته صباحاً حول عطر المومياء الفرعونية.
فوضعت الدكتورة «إنجي شبريس» قدح قهوتها على الطاولة أمامها وغاصت في مقعدها الوثير ثم قالت بجدية:

ــ تضمنت عبارتي في نهار اليوم طلباً بتعليل أدق لعطر المومياء وملابسات انتشاره خلال الفحص الذي جرى في باريس أم تراني أبالغ في إعطاء وضوح لعبارة غامضة ألقيتها حضرتك في جو يسوده المرح!.
فقال الدكتور «ديمتريوس» بهدوء:

ـ كان ذلك في ثمانينيات القرن العشرين حيث غدوت وقتها أكثر تفهماً لمواد تثبيت العطور في المومياء.

فاعترضه العالم «كنود» بقوله:
ـ بدا لي وللدكتورة «إنجي» أنك تدفع بتعليل غامض لعطر المومياء. وقولك إنك صرت أكثر تفهما لمواد تثبيت العطر في المومياء وضعنا داخل سياج سميك من علامات الاستفهام فصرنا في حيرة شديدة فأنت لم تقل لنا دكتور «ديمتريوس» شيئاً البتة عن تفهمك لمواد التثبيت بل انقلب الأمر إلى ما هو أغرب من ذلك حيث من الضروري أن نتساءل كيف يمكن لمواد التثبيت ذاتها أن تبقى فاعلة تقارع زمناً طوله حوالي ثلاثة آلاف عام!

تبسم الدكتور «ديمتريوس هارماخيس» مراراً قبل أن يجيب بتؤدة وثقة:
ــ إذا دققتما فيما طرحته فلن يغيب عن فطنتكما أنني لم أقدم تعليلاً للمسألة. وفي أفضل الأحوال يمكنكما النظر إلى قولي على اعتبار أنه افتراض علمي لا سبيل إلى وضع سبب آخر حقيقي مكانه، بمعنى أنه لا مناص من إقامة اعتبار مطلق لمواد التثبيت والاتجاه لدراستها وتحليلها ومعرفة أسرار تكوينها فهي من هنا تفضيل لأولوية بسبب يبدو لي مطلقا فليس هناك سبب آخر لصمود العطر يدعونا إلى البحث فضلا عن أن هذا المنحى بالتوجه نحو مواد تثبيت عطر المومياء كفيل باستخراج تفسير يبعد التفسير الخرافي المخالف للمنهج العلمي.

فقال «كنود»:
ــ ذلك إيضاح جيد، وإنني الآن أكثر فهماً لرأيك، غير أن هناك نقاطاً أخرى لا تقل غموضاً واستغلاقاً عن سابقتها ومنها: كيف يكون في قدرة نسيج أياً كان نوع قماشه أن يستمر دون انحلال وتفسخ لمدة ثلاثة آلاف سنة خصوصاً أثناء فك القماط فى باريس!

قالت الدكتورة «إنجي»:
ــ إنها علامة استفهام أخرى.
فقال الدكتور «ديمتريوس»:

ـ كما تعرفون جميعاً.. أنتما ومعكما أنا وسائر الرفاق من العلماء الغائبين أنه لا طريق إلى تعليل يكتنفه السحر أو هراء الخرافة، وسوف ندرك عاجلاً أو آجلاً حقيقة تلك المسائل.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»