*مقدمة
يشهد العالم العربي قطيعة متزايدة بين تيارين رئيسيين: النخبة الفكرية التي ترى نفسها حارسة للمعرفة وصاحبة المشروع التنويري، والتيار الشعبي الذي يجسد المزاج العام والواقع الثقافي والاجتماعي للمجتمع.
هذا الانفصال خلق أزمة مركبة، حيث تتعالى النخبة فوق الواقع بانشغالها بالتنظير والتجريد، بينما يغرق التيار الشعبي في العفوية والشعبوية دون رؤية واضحة.
في ظل هذا المشهد، تظل أي حركة اجتماعية أو سياسية محكومة بالتعثر ما لم يتحقق التكامل بين القيادة الفكرية والقاعدة الجماهيرية، وهو ما يجعل ردم هذه الهوة ضرورة ملحّة.
* مسؤولية النخبة في إعادة بناء الجسور
تقع المسؤولية الأكبر على عاتق النخبة، باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على المبادرة والتأثير في المزاج العام.
إلا أن النخب العربية، في كثير من الأحيان، فشلت في التواصل مع الشارع، إما بسبب تعاليها على الثقافة الشعبية، أو لعجزها عن فهم آلياتها ورموزها.
لردم هذه الفجوة، لا بد من إعادة صياغة العلاقة بين الطرفين وفق ثلاث ركائز أساسية:
1- التفاعل مع الثقافة الشعبية بدل التوجس منها
تعاملت النخب العربية في كثير من الأحيان مع الثقافة الشعبية بتوجس، معتبرة إياها عائقًا أمام التقدم.
هذا النهج عزز الهوة، وأدى إلى نفور التيار الشعبي، الذي رأى في النخبة تهديدًا لهويته وقيمه.
التحدي هنا ليس في استبدال الثقافة الشعبية؛ بل في تطويرها من الداخل، عبر تعزيز عناصرها الإيجابية وتفكيك الجوانب التي تعوق التحديث الاجتماعي والفكري.
التحولات العميقة لا يمكن أن تفرض من أعلى؛ بل يجب أن تكون نتاج تفاعل مستمر بين النخبة والجماهير.
2- النزول إلى الشارع بمشاريع ملموسة
لا جدوى من الأفكار العظيمة إذا بقيت حبيسة الكتب والأوساط الأكاديمية.
على النخبة أن تترجم رؤاها إلى مبادرات عملية تلامس حياة الناس، سواء في التعليم، أو الإعلام، أو التنمية المحلية، أو حتى في العمل السياسي المباشر.
لا يمكن تحقيق نهضة حقيقية دون أن يشعر الشارع بأن النخب ليست مجرد «متفرجين» على الواقع، بل فاعلين فيه.
3- تقديم نموذج قيادي بديل
كثيرًا ما تفشل النخب العربية ليس بسبب ضعف أفكارها؛ بل بسبب فقدانها للمصداقية.
الجماهير لا تنجذب فقط إلى من يملك الطرح الأفضل؛ بل إلى من يستطيع تجسيده في الواقع بإقناع وقرب من الناس.
المطلوب هو بروز قيادات نخبوية تتحدث بلغة الناس، تعيش همومهم، وتترجم الفكر إلى ممارسة، دون أن تتنازل عن العمق المعرفي والفكري.
* السياق الليبي: أزمة مضاعفة تستوجب الحل
إذا كان الانفصال بين النخبة والجماهير يمثل معضلة في العالم العربي، فإن خطورته في ليبيا مضاعفة، نظرًا للانقسامات العميقة والغياب شبه الكامل لمشروع وطني جامع.
تعيش البلاد حالة من الفوضى، حيث يفتقد التيار الشعبي إلى قيادة فكرية توجهه، في حين تعاني النخبة من العجز عن التواصل مع القاعدة الاجتماعية.
لذلك، يصبح بناء قنوات حقيقية للحوار بين الطرفين ضرورة قصوى، سواء عبر الإعلام، أو المؤسسات الأكاديمية، أو منظمات المجتمع المدني، وذلك لكسر الاستقطاب الحاد وإعادة توحيد «الجسد» الجماهيري و«الرأس» الفكري في مشروع وطني واحد.
لا يمكن لأي مشروع وطني ليبي أن ينجح دون دعم شعبي، كما لا يمكن للمزاج العام أن يقود وحده دون رؤية فكرية مسؤولة.
الحل يكمن في التكامل بين رؤية النخبة وديناميكية الجماهير، وليس في صراع السيطرة بينهما.
* خاتمة
إن لم تبادر النخب العربية، والليبية على وجه الخصوص، إلى ردم الهوة مع التيار الشعبي، فإن المستقبل لن يكون إلا مزيدًا من العزلة، والشعبوية، والانقسامات التي تكرس التخلف والاستبداد.
الخيار ليس بين نخبوية منغلقة أو شعبوية فوضوية؛ بل في بناء نموذج يدمج بين حكمة الفكر وحيوية الجماهير في مشروع نهضوي جديد.
فهل نمتلك الشجاعة للقفز نحو التكامل؟ أم أننا سنظل أسرى هذه القطيعة العقيمة؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات