أما الأديب الروائي نجيب محفوظ فلا ينكر، في ستينيات القرن الماضي، وجود أزمة القصة القصيرة، ولكنها طارئة وليست عامة، وهي في التعبير فقط وليس في كيانها. ويستهل رأيه بأنه يُفهم من معنى كلمة «أزمة القصة القصيرة» ثلاثة مستويات أو احتمالات لهذا المعني:
1- أن الأزمة مباشرة في القصة نفسها، فينصرف عنها الكاتب إلى لون أدبي آخر، أو ينصرف عنها القراء إلى أشكال تعبيرية أخرى. ولو قرأنا هذا الرأي على أساس أنه مكتوب عن حال القصة القصيرة في ليبيا الآن، لاتخذنا القاص والروائي محمد الأصفر نموذجا، فمن مِن قرائه أو متابعي مسيرته الأدبية من بدايتها ليس مقتنعا بأنه من أروع كتاب القصة القصيرة في ليبيا، وما زلتُ أذكر قصة «الجورب» وهي من البدايات، وقصصه القصيرة، ثم اتجه نحو الرواية، فخلّف فراغا واضحا في مجال القصة القصيرة بليبيا، وهذا ما يقصده الأديب نجيب محفوظ عن أزمة القصة القصيرة في مصر خلال ستينيات القرن الماضي.
2- يقول الأديب نجيب محفوظ إنه قد توجد القصة والكاتب والقارئ، ولكن ثمة أزمة في التعبير، يفسرها بعدم وضوح الرؤية، أو ظروف اجتماعية، أو لاعتبارات خاصة لها علاقة بالفن القصصي نفسه، كأن يكثر فيه التفسير، وهذا من يلاحظه القارئ الليبي في العديد من النصوص الحديثة، فتضيع متعة القارئ وهو مأخوذ بسرد ومفاجآت، ولكن الحشو والحبكة الضعيفة يبعدانه عن مواصلة قراءة القصة.
3- قد يكون أسباب الأزمة في النشر، أو النقد، أو عدم الاهتمام بالجيد الجديد مما ينشر، ولعلنا لا نبتعد كثيرا عن أسباب الأزمة في ليبيا إن أضفنا إليها تسرع الكاتب في نشره إنتاجه بعد بداياته مباشرة، والحقيقة أن هذا بالتحديد من أهم الأسباب، فكاتب القصة يخشي أن يغيب عن الساحة فلا يتذكره القراء، والواقع أن القصة الجيدة أطول عمرا من أي عمل مهما بلغ حجمه أو تسويقه، فالعمل الذي لا يعجب المتابعين، سواء أكان موضوع القصة، أو بناءها، أو الجنوح في التركيز على غايتها، يترك القصة مطوية عند الصفحة التي تسرب منها الملل إلى القارئ.
القصة القصيرة الجيدة أطول عمرا من أي عمل آخر لا معنى له، حيث مر نحو ربع قرن وما زلت أذكر روعة تكثيف القاصة الروائية نجوى بن شتوان مجموعتها «قصص ليست للرجال»، التي صدرت سنة 2004 عن مركز الحضارة العربية، وأنتقي لكم بعضا مما كتبته في «قصصها» التي وردت في قصتها «جزر دوران مستقيمة»:
القصة الثانية ص. 77:
كنا نجري كلنا باتجاه الباب
لم تسعنا فتحته
كنا أكبر منه،
وأعرض منه،
وأكثر انفتاحا من،
لذا بقي حامل المفاتيح واقفا في الأخير.
------
ص. 78:
كنت أتجول معه في حديقة الحيوانات
رأينا الأسود والغربان والعقارب والأفاعي
والضباع والنمور والتماسيح والعقبان والبوم
خارج قضبان الحديقة
كان ظلي قفصا يسع سماء وأرض المكان في الحقيقة
------------
ص. 79:
في جواز السفر الأول كانت مهنتي ربة بيت
في الجواز الثاني كنت طالبة
قال مسئول التجديد:
- تسلسلك المهني مريب!
قلت: لأني أسافر بالمقلوب
قال: ماذا ستكونين في الجواز الثالث؟
قلت: لاجئة اجتماعية.
------
ولكنها أصبحت قاصة وروائية وأديبة عالمية بعدما تركت في ليبيا عددا من قصص وروايات سوف تقرأ جيدا لو فقط ترجمت إلى لغات غربية.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات