لا تزال الشاشة الصغيرة التي أحرص بكل ما أُوتيتُ أن أوفر لها كل ما يجعلها قادرة على تمكيني من متابعة ما يجري في العالم مشاهدةً وسمعًا وبالجملة معايشة خير ما أردُّ به خسارة الغيبة والتغييب كما حدث معي في موفّى هذا الشهر الأول من هذه السنة، حيث تشهد الثقافة العربية الدورة الثالثة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، حيث شاءت الصدف بمساء الرابع والعشرين من يناير أن يكون البث متعلقًا بما ليس موضوع القبول الرسمي، كشريط الجماعة المُكرَّس لسيد قطب ومن حوله، أو دورة المعرض وندوات إعلام مصر كالحوار الذي أداره ذات دورة سمير سرحان مع سعد الدين وهبة.
فمع شُهرة الاثنين إلا أن وهبة كان له من نافذة النشر ما عرفناه مميزًا تجاه تجربتنا الليبية في ستينيات القرن الماضي بنشره واحدة من قصائد الشاعر التقدمي حسن صالح «على صدره لمعان الوسام وخفق النياشين هل تعرفينه» عنونها يومئذ بعائدٍ من الحرب، وجمع بين القَص والبطولة والهجرة، فأخذت مساحة ملحوظة في تلك المجلة ذات الحجم الكبير في تلك الأيام وبالبنط الذي يحمل من الشعر ما لا يحتاج لحِيَل الإخراج.
لقد أُرسِلَت القصيدة بالبريد على الأرجح إلا أنها ومما بدا فيها من جمال البناء وتقدمية المضمون استحقت أن تكون بين محتويات العدد الذي تصدرته دراسة نقدية عن مسرح الحكيم وعودة الروح ونصوص قصصية ليوسف إدريس وصلاح حافظ وغيرهم، هي نفس الفترة التي شهدت نشر بعض قصص بشير الهاشمي في الرسالة الجديدة انطلاقًا مما امتاز به الهاشمي من استيعاب للتجربة التشيكوفية وما أفلحت فيه من استقطابٍ لفن القصة القصيرة لتكون مجموعة الهاشمي الناس والدنيا الصادرة عن دار الفرجاني موضوع مقال نقدي مميز نشره يوسف الشريف احتفى به المثقفون الوطنيون ولم يسلم من غيرة بعض الذين يصعب عليهم أن يأخذ الصدارة غيرهم كما تشهد مجلدات صحف ومجلات تلك الأيام مثل العمل والضياء والنور وصوت المُربِّي.
لقد كان لتلك البدايات دورها الملموس في توكيد الحضور الجيد في فضاءات معرض القاهرة وغير القاهرة، إلا أن اتساع المجال الإعلامي ومرونة البرامج المرئية للتنفيذ بين ما كان دائم الإتاحة لكل من يدرك أهمية الحضور الإعلامي الثقافي للتعريف بالآخرين، فأذكر هنا مع الترحّم إدريس المسماري ومحمد الفقيه صالح وإدريس بن الطيب، في عديد الدورات ليس فقط لظهورهم الخاص وإنما التعريف الدائم بغيرهم ممن يكون حضورهم في أحيانٍ كثيرة بعيدًا عن الإيفاد الإداري، أما الطرف المصري فليس له سوى توفير الجانب الأدبي.
قلت إن الشاشة الصغيرة توفر لكل من يحسن استثمارها إمكانية المتابعة ولو لم يغادر بيته، إذ وقفت على ذلك منذ زمن عندما تابعت حوارًا أُجريَ مع عبد المعطي حجازي وأنا بمكتبي، وظن من قرأَ ما كتبت أنني بين الحاضرين، وها أنا أعتذر نهائيًا عن أي مغادرة للداخل دون الإحساس بالخسران الذي لا يُعوَّض اللهم إلا الزمن، غير أنني أحزن كثيرًا للذين يفقدون من يأخذ بيدهم دون أن يستفيدوا من تجربتنا، أما الذين يُصرون على حرمان سواهم من ذوي الأهلية فحسبهم العجز عن أن يكونوا كغيرهم ممن لهم في القلم أو العود أو العدسة، وبالجملة اليد القادرة فهو ما يُغني أمس واليوم وغدًا وويلٌ لمن يغفل هذا السيفَ البتَّار.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات