Atwasat

«سلالة المقهور»

منصور بوشناف الخميس 30 يناير 2025, 01:41 مساء
منصور بوشناف

بدأ كامل المقهور رحلة تحديث القصة القصيرة في ليبيا مبكرا، إثر دراسته في مصر واندماجه في الوسط الأدبي المصري منتصف القرن الماضي، فقد بدأ نشر قصصه هناك متناغما مع ما كان يجرى في الحركة الثقافية المصرية من تحولات وتطوير، كان قد وجد في الواقعية مبتغاه الفني، ليعود إلى ليبيا أواخر خمسينيات القرن الماضي ويضيف للقصة القصيرة الليبية رافدا جديدا ويمنحها نكهة ليبية خاصة، ويجعل الفقراء والمهمشين أبطالها الفاعلين، وتسود لهجتهم الطرابلسية النابضة بالألم والفرح والحب والغبن فضاءات القصة الليبية الشابة، وكان كامل المقهور قد دشن للقصة القصيرة الليبية هويتها وملامحها.

القصة القصيرة في ليبيا ومع كامل المقهور ومن جاء بعده في ستينيات القرن الماضي شكلت ركنا مهما في الثقافة في ليبيا، فرسمت صورة للحياة الاجتماعية في البلاد، وصورت التحولات والآمال والطموحات والإحباطات والصراع الاجتماعي بين القديم والجديد، لقد كانت صورة للمدينة الليبية ومعركة التحديث التي كانت تدور في شوارعها وأزقتها، وكان كامل المقهور أهم رواد تجديدها.
قصة كامل المقهور انتمت لأدب «ما بعد الاستعمار» وانخرط كاتبها مع نخبة شابة في بناء «وطن الاستقلال الحديث» وإنتاج أدبه المعبر عن كل تلك الطموحات.
فقراء وبسطاء مدينة الاستقلال الليبية بتنوعهم وكفاحهم اليومي من أجل حياة أفضل وبمعاناة كبيرة كانوا أبطال المقهور الأهم، كانوا يصارعون الفقر والأمية والضياع والتهميش بعزيمة وإصرار، بالضبط كما كانت مدينتهم وبلادهم تصارع من أجل
«مدينة ووطن الاستقلال والنهضة».

المدينة وطرابلس بالتحديد كانت مسرح «قصة المقهور» فهي مركز التحديث الذي ورثه الليبيون من الاستعمار، والذي انتج نخبة متعلمة تؤمن بالاستقلال وتتمسك بالتحديث، والأهم تشكل فيها نسيج اجتماعي متنوع الأعراق والثقافة، مجتمع منفتح قابل للتجديد.
كامل المقهور كان أشبه بسائق الباص في «أربع عشرة قصة» يقود جيلا من القصاصين عبر الطريق الساحلي الممتد من شرق البلاد إلى غربها نحو التحديث والنهضة، ويعاني كل آلام ذاك السائق.

«عزة كامل المقهور» لم ترث من والدها المهنة «المحاماة » والمكتب فقط، بل كانت القصة القصيرة أهم ما ورثت، فقد بدأت في نشر قصصها القصيرة في الربع الأول من هذا القرن، منتمية وبإخلاص شديد لمدرسة والدها الليبية، حتى أن قصصها الأولى تبدو استمرارا لسرد كامل المقهور للوقائع الليبية، ويوميات المدينة الليبية.

وكما تجربة «كامل المقهور» التي صورت التحولات الليبية بعد الاستقلال وعبر نصف قرن، تتشكل تجربة عزة المقهور عبر تصوير التحولات الليبية في بدايات هذا القرن الجديد وما تشهد ليبيا من تحولات قاسية وصعبة، تعيشها دون التخلي عن حلم النهضة والتجديد.
عزة المقهور تطلق مشروع جائزة كامل المقهور للقصة القصيرة لتسهم كما أسهم والدها في تطوير وتحديث القصة القصيرة في ليبيا منتصف القرن الماضي، ولإتاحة الفرصة وتبني جيل جديد من القصاصين الليبيين، من أجل نقلة جديدة في الأدب والقصة في ليبيا.

«مروان المقهور» الذي لم نعرف له علاقة بالأدب والكتابة، فاجأنا بإصداره الأول «أفاطم مهلا» رواية عن الهجرة غير الشرعية لليبيين، هجرة عائلة ليبية بقوارب الموت إلى إيطاليا، ليواصل الابن رحلة الأب السردية مستلهما تلك التجربة السردية المقهورية الطرابلسية الليبية في المهجر والمنفى كما فعلت شقيقته «عزة المقهور» في كتابها الأخير «سفر الغابة» من «كندا».
«سلالة المقهور» وعلى مدى «قرن إلا ربع» تواصل سرد الوقائع الليبية بتلك النكهة الطرابلسية اللذيذة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»