Atwasat

غزة واستثمار نتائج الصراع

آمنة القلفاط الخميس 23 يناير 2025, 02:07 مساء
آمنة القلفاط

تقييم نتيجة الحروب لا يخضع للرأي الشخصي، فالرأي الشخصي يبنى على محصلة معايير تختلف أولوياتها وفق المنظور الشخصي. النصر هو تقييم شامل، وليس رأيا فرديا معتمدا على وجهات نظر متباينة وفق أولويات مختلفة.

الحروب على مدى التاريخ، وعلى كامل جغرافية الأرض، هي حروب ذات أهداف سياسية بالدرجة الأولى. تشتعل لتحقيق مصالح سياسية. الحرب ما لم تنته على الأرض بالاستسلام ورفع الراية البيضاء، فالتقييم يكون وفق النتائج السياسية المتحققة لطرفي الصراع، والجدية في تنفيذ الاتفاقيات المعلنة، وفق المدى الزمني لها.

بدأت الحرب في غزة في أكتوبر 2023 بين فصائل المقاومة في غزة وبين جيش المحتل الإسرائيلي. حرب كانت الأعنف والأطول على المدى الزمني منذ بدء الاحتلال الغاشم على فلسطين. الحرب لم تكن متناظرة، فهي بين طرف محتل يملك أحدث أنواع التسليح، ومدعوم دعماً كاملاً وغير مشروط من أقوى الدول في العالم، طرف يفرض وجوده بسلطة الأمر الواقع وتهديد السلاح، وبين طرف هو صاحب الأرض، طرف أقل عتاداً بكثير، ولكنه يتسلح بقوة حقه، والتصاقه بأرضه ووضوح هدفه.

صرحت إسرائيل عند إعلان الحرب بأن هدفها المعلن من الهجوم على غزة هو تدمير فصائل المقاومة، وإعادة رسم الأمر الواقع على الأرض. هدف حماس غير المعلن، وإن ظهر جلياً من اختراقها غلاف غزة وهجومها المباغت، هو إعادة رسم العلاقة بين أصحاب الأرض والمغتصب، إعادة فرض الوجود الذي غفل عنه العالم وتناساه.

لطالما تفاخرت إسرائيل بقدرتها على فرض إرادتها على دول العالم، ولطالما مارست الضغط بذرائع مختلفة، لتحقيق مآربها وتقوية شوكتها، ولطالما أعلنت قدرتها على توسيع احتلالها بحكم الأمر الواقع دون تكلفة تذكر أو زعزعة لديمقراطية مزعومة.

ما فعلته إسرائيل خلال حرب استمرت 15 شهرا حتى إعلان وقف إطلاق النار هو إدانة كافية لها، وتمريغ مذل لسمعة لطالما فعلت المستحيل لتحصل عليها، وتفرضها على العالم. إسرائيل التي بنيت على الاحتلال وتهجير أصحاب الحق، لم يغذِ وجودها سوى الأكاذيب والدعايات المضللة.

إسرائيل التي أعلنت أن الحرب ضد حماس وفصائل المقاومة، وليس ضد الأرض والبشر، والتي طالما تغنت بحقوق الإنسان وإقامة العدل، وأنها واحة الديمقراطية المنشودة، دمرت البيوت فوق ساكنيها، ولم تسلم من ترسانتها الحربية المستشفيات والمدارس والمساجد ودور العبادة، قتلت الأطفال والنساء وهجرت السكان في عملية إبادة ممنهجة. الحرب خلفت أطنان المخلفات، وأفسدت الزرع والضرع، وسجلت جرائم إنسانية غير مسبوقة في تاريخ الحروب.

لطالما اتخذت إسرائيل العداء للسامية العصا السحرية لتمرير أجنداتها، فكيف بجرائمها ضد الإنسانية؟ كيف ستتعامل مع قرار محكمة العدل الدولية وقد طالبت دول العالم بالقبض على رئيس حكومتها ووزير دفاعها؟ كيف ستعيد الثقة لأعداد الهجرة العكسية التي تزايدت من إسرائيل ولم تعد ترى في إسرائيل ذلك البلد الأمن كما روجت له دائماً؟

الثمن الذي دفعته غزة كان باهظا وكبيرا، ولكن هل نظل أسرى لخوفنا من مواجهة الأعداء المتربصين بنا، ونركع لهم، ونسير على هدى خططهم؟ نجحت إسرائيل في تدمير غزة، وما زالت تحتفظ ببعض الأراضي تحت سيطرتها، وفقدت المقاومة الكثير، ولكنها انتصرت سياسياً، بعدما جعلت القضية الفلسطينية في الواجهة. وما زالت فصائل المقاومة تملك زخما على الرغم من أنه أقل من الذي بدأت به الحرب.

أشاد العالم بصمود فلسطين، ورُفعت الراية الفلسطينية في محافل دولية عديدة. المظاهرات المناصرة للشعب الفلسطيني نُظمت في شوارع العالم والجامعات الدولية. لقد نالت القضية الفلسطينية من الدعم والتأييد والتعاطف الدولي درجة غير مسبوقة.

إنها جولة جديدة في صراع أصحاب الحق والأرض مع المغتصب. بقي أن تُستثمر نتائج «طوفان الأقصى» الاستثمار الأمثل، وأن توحد القوى الفلسطينية كلمتها، وتستمر في المطالبة بحقها، وأن تكثف من فضح الممارسات التي تكشف جرائم إسرائيل، وتعري أساليبها أمام العالم، فمسئولية الجرائم لا تسقط بالتقادم، فماذا عن الإبادة والتهجير القسري والتدمير الشامل؟
 



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»