لكل قطيع قائد وزعيم في عالم الحيوانات. يصل إلى هذه الرتبة من خلال الانتخاب الطبيعي والمعارك الشرسة مع الذكور المنافسين، وبعد الانتصار يحق له وحده تلقيح كل إناث القطيع، لكي تنتقل الجينات التي حققت النصر للأجيال القادمة. فيما بعد تعلم الإنسان كيف يتحكم في نقل هذه الجينات من خلال التهجين، وخاصة في الخيول الأصيلة وفي ثيران التخصيب والهجن. باستثناء التخصيب في موسم التزاوج تكون الزعامة للأنثى المسيطرة في عالم الذئاب، وفي عالم الأسود تصطاد الإناث الفريسة ويأكل الأسد هو الأول، بينما ينفصل النمر والفهد عن أنثاه بعد التزاوج، وتربي الأنثى جراءها بعيدًا عن الذكر، ولا تستسلم الحمارة للحمار إلا بعد أن يخضعها بالقوة، وتستمر في رفسه حتى تخور قواها، لأنها تريد أن تتأكد أن والد طفلها يستحق ذلك.
اعتقد الإنسان مبكرًا أنه سيكتسب صفات الحيوان الذي يأكل من لحمه، لهذا أخذ يدقق فيما يأكل من لحوم، وتحريم أكل لحم الخنزير كان شائعًا بين شعوب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قبل الأديان، ثم جاءت الديانات التوحيدية لتحرمه، والسبب أن ذكر الخنزير لا يخوض أي منافسة في موسم التزاوج، وعندما تأكد الإنسان أن الخنزير حيوان غير غيور، خشى أن يصبح مثله إذا أكل من لحمه، ولهذا فضل لحم الخراف والماعز والثيران التي تتناطح حتى الموت، وفضل البدوي لحم الجمل لأنه لا يضاجع أنثاه إلا في الظلام، كما يشبه الذئب في الوفاء وتحريم نكاح المحارم.
الخنزير هو أول حيوان استأنسه الإنسان، ولكن حرم أكله مبكرًا، ولم يعثر في المقابر المصرية على عظام الخنزير، على الرغم من أن الفلاح المصري القديم كان يستخدم الخنازير بعد انحسار فيضان النيل، فتدخل في الطمي الذي لا يستطيع الإنسان الدخول إليه، وتصنع بأقدامها حفرًا يستغلها الفلاح فيما بعد في زرع محصوله الجديد، وفي أساطير بلاد ما بين النهرين وأيضًا في الأساطير الفينيقية والكنعانية يقتل الإله بسبب هجوم لخنزير بري، ومع ذلك لا يزال الصيادون في غابات تونس والجزائر يصطادون ويأكلون لحم الخنزير البري، وربما يرجع ذلك لعدم تحريم أكل الخنزير البري في الثقافة البربرية.
في قريتنا يؤجر الفحل من الضأن والماعز ليلة كاملة مع القطيع الصغير والمتوسط، وطوال الليل كنا نسمع صوت ذكر الماعز وهو يطارد الإناث في الظلام، بينما يوجد ديك واحد وسط عدد من الدجاجات، ومنذ الفجر يؤكد حضوره السلطوي بصوته ومنقاره وعرفه الأحمر، وقد تتواطأ الظروف لتسمح للحمار بمضاجعة الفرس، أو للحصان بمضاجعة الحمارة، ولكن الناتج عن هذه العلاقة حيوان عقيم، ولهذا دقق الإنسان فيمن يتزوج من ناحية الذرية، وفيما بعد من ناحية الطبقة والشريحة الاجتماعية، وحافظ البدوي على شجرة أنسابه للمحافظة على نقاء الذرية، ولهذا رفض نوري خالد تزويج ابنته فتحية للملازم معمر القذافي لأنه بدوي، ولكن بعد أن نجح البدوي في القيام بانقلابه العسكري أصبح فحل القطيع فزوجها له دون أي اعتراض.
في موسم جز الصوف يحدث صراع دموي بين الفحول، ولأن الراعي يريد نسلًا جيدًا لقطيعه، فيبدأ في جز صوف فحل القطيع، ولا يترك له إلا الصوف فوق كتفيه، وعندما يعود الكبش إلى القطيع لا يتعرف عليه القطيع، فيهاجمه الذكور الذين خسروا أمامه في السابق، معتقدين أنه ذكر دخيل ويناضل الفحل لتأكيد زعامته فإذا انتصر يعود فحلًا للقطيع، وإذا خسر قد يفقد حياته أو يعود إلى القطيع فحلًا مخلوعًا، ولكن ما يريده الراعي تحقق فقد تأكد من خلال هذه المنافسة الدموية، أن الفحل الأقوى سيخصب جميع الإناث في القطيع، ولذلك لا يتدخل في المعركة، إلا إذا شارف أحد الكباش على الموت فيذبحه، ليقدم لحمه لمن يساعده في جز صوف القطيع.
هذه المعركة الدموية هي في الحقيقة معركة انتخابية كاملة، ولكن لا توجد فيها صناديق اقتراع ولا من يدلي بصوته، أليست هذه هي الحياة السياسية التي لا تزال تعيشها المجتمعات في المنطقة، فالزعامة بالغلبة مثلما في عالم الحيوان وليست بالانتخابات وصناديق الاقتراع والبصمة الزرقاء، إنها معركة قرون ومخالب وأنياب ورفس، ولكن السياسيين وزعماء المليشيات أخفوا قرونهم الطويلة وأنيابهم الحادة، وظهروا على القنوات الفضائية مبتسمين، وتركوا الغبار لمواقع التواصل الاجتماعي، وقد تتغير الفحول ولكن العلاقة بين القطيع والفحل الجديد هي نفس علاقة القطيع بالفحل القديم، وإذا شكل الفحل السابق كتائب من الإناث لتحرسه، وكن يهتفن له «اللي امداير للمرأة شأن عليه نموتوا في الميدان».
الفحل السابق قال ديمو كراسي تعني القطيع على الكراسي والفحل على العرش، كما قال إنني أخذتها ببندقيتي، ومن يريد أن يستولى عليها عليه أن يستخدم بندقيته، أما الفحل الجديد فأصدر قانونًا لترويض الإناث قبل أن يبدأ في ترويض الذكور، فالأنثى هي الشاة الأقرب إلى الرباط، ولن يستخدم قرنيه هذه المرة، وإنما سيستخدم قوة القانون فقد تأكد أن الثور الهائج خلال مصارعة الثيران لا يمكن ترويضه، إلا بعد أن تدخل عليه في حلبة المصارعة عدة بقرات، فيدخل بينهن ويخفض رأسه إلى الأرض، فالإناث أفضل من يروض الذكور الهائجة في حلبة المصارعة وفي دوامة الحياة، فمن يتغذى بالبقرة الحمراء سيتعشى بالثور الأسود.
علاقة الزعيم بالقرون علاقة قديمة، فتوجد نقوش وعملات عليها صورة الإسكندر الأكبر وعلى رأسه قرنان، ولم تعرف هوية ذي القرنين التي وردت في سورة الكهف بعد، هل هو الإسكندر نفسه أم الملك الآشوري بانيبال؟ ولكنه وفقا للقرآن فقد كان ملكًا عادلًا، ولكن اليوم يضع بعض الزعماء على رؤوسهم القبعة العسكرية أو المدنية، فالطربوش كان رمز السلطة ثم الشال والعقال وأخيرًا الشنة.
كل نمط إنتاج أو بنية تحتية لابد أن تعطي ما يعادلها من بنية فوقية، ليس فقط في السياسة والقانون والفقه وإنما أيضًا في نقد الشعر، ولهذا استهل الناقد القديم الأصمعي العصر العباسي الأول بكتابه «فحولة الشعراء»، وفي القرن الثالث الهجري كتب ابن سلام الجمحي كتابه «طبقات فحول الشعراء»، وقيل لماذا سمي الشاعر علقمة المعاصر لامرئ القيس بعلقمة الفحل؟ فقالوا للتمييز بينه وبين شاعر آخر يسمى علقمة المخصي، وتعتبر العرب الشاعر الفحل هو الشاعر الذي ينتصر على غيره من الشعراء في الهجاء.
على غرار الشاعر الأموي جرير بن عطية عندما رد على الراعي النميري قائلًا، «فَغُضَّ الطَرفَ إِنَّكَ مِن نُمَيرٍ فَلا كَعبًا بَلَغتَ وَلا كِلابا»، فإذا كانت هذه معايير النقد الأدبي فكيف تكون في عالم السياسة والحكم؟ يمكنك استبدال القبائل الثلاث التي ذكرها جرير بثلاث قبائل ليبية ولن يتغير المعنى، لأننا لم نتطور منذ ذلك العصر.
وكان عبد الرحمن بن خلدون أول من اكتشف هذه العلاقة عندما كتب في الفصل السابع والعشرين من مقدمته، «إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوءة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة»، والفحل الجديد يريد الوصول إلى العرش بالتحالف مع السلفيين والأصوليين وكل من له علاقة بالدين، على الرغم من أن الفحل لا يفقه شيئًا في الدين. أخشى أن يخسر الفحل الجديد المعركة وتكسر قرناه، وعندها سيذبح ليقدم لحمه للجلامة، فالكبش الخاسر لا يترك وراءه شيئًا فحتى جلده الذي جز صوفه، لا يصلح أن يكون نطعًا يفترشه الناس في برد الشتاء.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات