Atwasat

لماذا فشل مشروع عبدالسلام الأسمر؟

عمر الكدي الإثنين 13 يناير 2025, 02:43 مساء
عمر الكدي

كلمة مرابط التي تشير للولي الصالح في ليبيا لها عدة معانٍ، ففي شرق ليبيا تشير الكلمة لقبائل المرابطين، وهي درجة في هرم التراتبية القبلية في برقة، التي على رأسها قبائل السعادي التي تعود أصولها لقبيلة بني سليم، وفي الترتيب الثاني قبائل "مرابطين البركة"، وفي الترتيب الثالث قبائل "مرابطين العصا والزبل"، وعندما يشيرون لمقام ولي صالح يقولون سيدي فلان دون استخدام كلمة مرابط التي قد تحط من قدر الولي.

في الغرب والجنوب تشير الكلمة لمقام ولي صالح، كما تشير للقبائل التي كان لها دور في تأسيس دولة المرابطين في المغرب الأقصى والأوسط، وهي فروع قبيلة صنهاجة التي هاجرت إلى ليبيا مثل أولاد بوسيف، كما تشير الكلمة لأي درويش أو أهبل أيضًا، وتستخدم الكلمة بهذا المعنى وضدها، فإذا عارض الليبي رأيك يصفك بأنك مرابط ودرويش، وإذا ارتكب خطأ بسبب سوء تقديره يقول «هو أنا في بطني مرابط»، وتحديد هذه المصطلحات مهم لهذه الظاهرة التي تفشت في العالم الإسلامي طوال عصر الانحطاط، ففي أي مكان تختفي فيه السلطة يظهر ولي صالح يخشاه الجميع، عادة ما يكون متصوفًا وزاهدًا وورعًا ويقضي بين الناس بالعدل، وأحيانًا يظهر في مكان قريب من السلطة الحاكمة وتتسم علاقته بها بالتقلب، فأحيانًا تقبل به وتحاول تقريبه منها واستغلاله، وأحيانًا تنقم عليه وتضطهده، فسيدي الصيد في ضواحي طرابلس كان مقربًا من أحمد باشا مؤسس الدولة القرهمانلية، ولكن العلاقة بينهما انتهت نهاية مأساوية للاثنين.

بالإضافة إلى سيرة أكبر أولياء ليبيا شهرة عبد السلام الأسمر الذي طرد من طرابلس، وهاجمه ومريديه جيش كامل بقيادة والي طرابلس العثماني في قلعة سوف الجين قرب بني وليد، وهو ما يتفق مع الأسطورة التي ارتبطت بواحدة من أشهر كراماته، وهي حكاية الفتاة الجميلة عسيلة التي خطفها فرسان القديس يوحنا ليلة عرسها من طرابلس، وحملوها في قارب نحو مالطا، ويتمكن عبد السلام الأسمر من إعادتها في اليوم التالي أو في نفس الليلة، وهذا يخالف رواية الجيش العثماني الذي يقوده الوالي ومعه القاضي، والثابت أن الأسمر عاش في القرن العاشر الهجري الموافق للقرن السادس عشر الميلادي، وهو القرن الذي سيطر في بدايته فرسان مالطا على طرابلس، وفي منتصفه تحررت طرابلس على يد سنان ودرغوت باشا، وقد تتسق الروايات المختلفة إذا ثبت أن الأسمر عاش قرابة المائة سنة، أي أنه عاصر احتلال الإسبان لطرابلس وفرسان القديس يوحنا ووصول العثمانيين.

لم تظهر أي كرامات للمتصوفة الأوائل بل لم يستطيعوا حتى حماية أنفسهم، فسحل الحلاج وقطعت أوصاله وأحرقت جثته، وهذا ما حدث لشهاب الدين السهروردي، وعاش محيي الدين بن عربي في عزلة كاملة ولكن وصلتنا كتبه التي تعكس عقلًا راجحًا ونفسًا عظيمة، بينما عندما تخلى المسلمون عن التفكير راجت هذه الأساطير حول المتصوفة المتأخرين، في بيئة متقشفة واقتصاد اكتفائي، فأنماط الإنتاج الضعيفة والهشة تنتج بنى فوقية هشة وغير عقلانية، ولكنها كافية لحفظ الأمن والسلام الاجتماعي، وقد شاهدت بنفسي نزاعات حول الأرض في غريان يقسم فيها المدعون بملكية الأرض بالله حانثين، وعندما يطلب منهم القسم باسم أحد الأولياء يترددون، فالله في مجتمع أمي متخلف لا يمكن تصوره مجردًا، وإنما لا بد من تجسيده في شخص له كرامات.

معظم هؤلاء الأولياء أدوا دورهم وماتوا دون أن يوصوا بتعظيمهم، ولكن لأسباب اقتصادية أو لحماية قبيلتهم عمدوا إلى تضخيمهم، ونسبوا إليهم الكرامات والمعجزات. في مالطا القريبة منا والتي مجتمعها يشبه مجتمعاتنا يوجد 365 كنيسة أي يمكن للمؤمن أن يصلي كل يوم في كنيسة، كما يوجد في كل بلدة قديس هو شفيعها، وفي كنيسة موسطا توجد قنبلة ضخمة سقطت على الكنيسة في الحرب العالمية الثانية ولم تنفجر، ويؤمن معظم الناس هناك بأن أحد القديس منع انفجار القنبلة في الكنيسة المكتظة بالمصلين، بينما لا يوجد شيء في كنائس هولندا بما في ذلك المصلون.

في مطلع وصية عبد السلام الأسمر يقول: «يجيكم ولد بدوي من تحت الإبل يحكمكم أربعين عام، أيدير فيكم كيف ما يبي، وتخدموا تحته كيف الخدام، وأنتم خانعين خايفين، وأنتم كيف الكلاب ترحبوا على الجاي، وتنبحوا على اللي ماشي وهو عارف طبعكم، وكيف ما خنتوني تخونوه»، المفروض أن هذه الوصية كتبت قبل 500 سنة، ومثلما ظلم هؤلاء الأولياء في عصرهم يمكن استغلالهم سياسيًا بعد موتهم بزمن طويل، وما دام الأسمر تنبأ بهذا الولد البدوي لماذا لم يذهب إلى المكان الصحيح ليبني عصبيته، خاصة أنه كما تؤكد المصادر حَسني من نسل الحسن بن علي بن أبي طالب.

في قصة عسيلة تروي على لسانها أن طيرًا ضخمًا انتشلها من بين خاطفيها، وحملها باتجاه طرابلس وعندما شعر بالإعياء ظهر جبل في البحر فاستراحا هناك بعض الوقت، قبل أن يحملها الطير إلى طرابلس، وتروي القصة أن عبد السلام الأسمر كان غاضبًا من جميع الأولياء في عصره، لأن أحدًا منهم لم يساعده في إرجاع عسيلة، وعندما عاتب أحمد الزروق دفين مصراتة، يقول له الزروق «والجبل اللي لقيتوه قدامكم في البحر من جابه»، وعندما راجعت تواريخ ميلاد ووفاة الشيخين، اكتشفت أنهما لم يلتقيا على الإطلاق، فالزروق توفي عام 899 هجري، بينما ولد عبدالسلام الأسمر عام 880 هجري، أي أن الزروق أكبر من الأسمر بـ19 سنة، فإذا علمنا أنه انتقل من زليتن إلى مسلاتة بعد حفظه القرآن ليتتلمذ على يد الشيخ عبدالواحد الدوكالي، فلا بد أن عمره كان أكبر قليلًا من 12 سنة، وأمضى مع الدوكالي سبع سنوات قبل أن ينتقل إلى طرابلس وتظهر أولى كراماته، أي أنه وصل طرابلس بعد وفاة الزروق، ولكن المنافسة بين تجار مصراتة وزليتن في جذب أكبر عدد من الزائرين إلى الضريحين هي التي صاغت هذه القصة لفائدة الاثنين.

من خلال سيرة عبد السلام الأسمر وفقًا لما وجدته منشورًا في موقع الزاوية الأسمرية، فقد طرد من طرابلس مع مريديه، فتوجه إلى غريان حيث لم يجد الدعم بين قبائلها إلا من أولاد سلامة وأولاد سعد في القواسم، فتركها وتوجه إلى بني وليد حيث أقام ومريدوه في قلعة سوف الجين، قبل أن يحاصره جيش يقوده والي طرابلس وقاضيها، وتظهر طيور الخطاف بكثرة فيهرب معظم الجنود ويفشل الحصار، ومع ذلك لم يجد الدعم من قبائل ورفلة فتوجه إلى تاورغاء ثم مصراتة، حيث استقبل بترحاب بعد أن راجت كراماته، قبل أن يعود إلى زليتن ويتوفى هناك.

بغض النظر عن صحة الوقائع من الناحية التاريخية، إلا أن الرجل كان له مشروع لتكوين دولة وطنية، إلا أنه فشل في تشكيل عصبية قبلية على الرغم من دعوته الدينية القوية، لأنه في تقديري أخطأ في التوجه إلى المكان الصحيح، فنمط الإنتاج في طرابلس ومصراته وزليتن، الذي يعتمد على الزراعة المروية والتجارة لا يصنع عصبية، كما أن نمط الإنتاج في غريان وورفلة الذي يعتمد على الزراعة البعلية وتربية الماشية لا ينفع أيضًا، ونجح بعد ثلاثة قرون السنوسي الكبير في مشروعه لأنه توجه إلى المكان الصحيح، فنمط الإنتاج البدوي هو الوحيد القادر على تكوين هذه العصبية.

بعد 2011 دمر المداخلة السلفيون معظم مقامات وأضرحة الأولياء في معظم المدن والقرى الليبية، وكأننا نواجه موجة بدوية جديدة جاءت لتدمر كل شيء ولتبني لا شيء، وحرمتنا من دراسة تاريخ يمتد منذ القرن الخامس عشر الميلادي، لنتوه مرة أخرى في صحراء التاريخ دون وجود شواهد ترشدنا، وتوضح كيف تطور تاريخنا الاجتماعي ووعينا التاريخي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»