على عكس المسرح الأوروبي واقتداء بالشقيق العربي بدأ المسرح الليبي بالمخرج وليس بالمؤلف الأدبي، فكان المخرج هو معد النص للعرض وأحد ممثليه، لقد انطلق المسرح الليبي من فكرة العرض المسرحي للعرض وليس كأدب مسرحي للقراءة.
ربما كان أول النصوص الأدبية القابلة للتمثيل هو «نص غيت الصغير» للشاعر أحمد رفيق المهدوي، هو نص شعري كتب كنص أدبي ولكنه كان نصا قابلا للتمثيل.
النص المسرحي الأدبي لم يظهر إلا في مسرحيات «عبدربه الغناي» وهي نصوص مسرحية شعرية ونصوص عبدالله القويري، ثم نصوص البوصيري عبدالله، وعبدالحميد بطاو وعبدالعظيم شلوف، وعبد الكريم الدناع... إلخ.
إن النص المسرحي الليبي كأدب مسرحي ترسخ وتطور ونشر كأدب للقراءة أولا منذ ستينيات القرن الماضي، فتشكلت مكتبة صغيرة للأدب المسرحي الليبي وظلت تكبر ببطء شديد وبكتاب قليلين أهمهم حسب ما أرى، وقد أكون مخطئا كان عبدالله القويري ثم البوصيري عبد الله، فهذان الكاتبان هما الأكثر إنتاجا للأدب المسرحي والأكثر إتقانا لهذا الأدب، والأهم أن مسرحهم منشور في كتب للقراءة أولا.
أدب عبدالله القويري المسرحي يبدو متأثرا بالمسرح الوجودي الفرنسي خاصة مسرح جان بول سارتر والبير كامو حيث بنية النص الكلاسيكية والقلق الوجودي وهاجس الحرية والمقاومة واليأس، قلق الفرد من وجوده وبحثه بلا جدوى عن حريته وخلاصه.
أدب البوصيري عبدالله المسرحي: بدأ بإعادة إنتاج كلاسيكيات المسرح اليوناني ويظهر عبر هذا التوجه التأثر أيضا بأدب سارتر المسرحي، ثم تطور مسرح البوصيري عبدالله ليكون أدب نهضة بمعناها القومي العربي عبر التوجه لإحياء الموروث العربي بشخصياته وتواريخه، ليكون أهم تيار تأصيل في المسرح الليبي وربما، وقد أكون مخطئا، الأكثر تكاملا كمشروع أدبي مسرحي.
اخترت القويري والبوصيري كنموذجين ممتازين للنص المسرحي الليبي، يتكئان على وعي وثقافة ونضج أدبي ومسرحي وظهر إنتاجهما ككتب للقراءة أولا.
ثمة رافد آخر للنص المسرحي الليبي هو النص الاجتماعي الذي كان يكتب باللهجة ويكتب ليكون عرضا مسرحيا وهو الأكثر إنتاجا والأكثر انتشارا بالنسبة لجمهور المسرح الليبي وأعتبر تجربة مصطفى الأمير الأكثر إنتاجا والأكثر أهمية تأسيسا لهذا النص، ثم تجربة الأزهر أبوبكر احميد وفرج قناو، ثم تجربة علي الجهاني وأخيرا تجربة علي الفلاح.
تجربة مصطفى الأمير أعتبرها إحدى تجارب التأسيس لتأليف نصوص اجتماعية ليبية مسرحية تتوفر فيها شروط النص المسرحي، أما تجربة الأزهر أبوبكر احميد فقد كانت تطويرا ومواكبة لتغير الحياة وقد بلغت تجربته تألقها في «نقابة الخنافس» التي أدخلت النص الليبي إلى شوارع سبعينيات القرن الماضي بنكهتها المختلفة عن شوارع خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
أما تجربة فرج قناو فقد بدأت «باخطى راسي وقص» واستمرت كمسرح ملتزم بمفهوم الالتزام الاشتراكي العربي وذلك بتقديم نموذج العامل «الواعي» والملتزم بقيم العدالة الاجتماعية ويتوج مسرحه بمسرحية «حوش العيلة» أنجح أعماله المسرحية. في أعمال فرج قناو يظهر تأثر كبير بتجربة الكاتب المصري نعمان عاشور ومسرحه الواقعي الاشتراكي.
تجربة «علي الجهاني» بدأت بالهامة وهي عمل مختلف تماما عن بقية أعماله فهي كانت مسرحية خطابية عن الاستعمار وتعج بالشعارات ولكن نقلته المهمة كانت مسرحية «نوارة» التي أعتبرها من أهم أعمال المسرح الليبي وقدمت مسرحا شعبيا عميقا وكوميديا راقية دون إسفاف ولا زوائد.
تجربة علي الفلاح تميزت بالتجريب وطرق أبواب جديدة دون الانفصال عن الجذور الثقافية، تجربة علي الفلاح تركزت بشكل كبير على السرد بمعناه الشعبي، وتفجير إمكانات المفردة الشعبية وتحول دلالاتها، إنه التجريب على تطور وتغير اللغة وتطور وتغير مدلولاتها مع الاهتمام بالمشهد التراثي الليبي، إنه البحث الليبي في «أنثروبولوجيا المسرح» كما ظهرت في تجارب بيتر بروك الأخيرة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات