منذ أيام كتبت عن الكاتب الراحل الأستاذ أنيس منصور وكتابه (عاشوا في حياتي) وأكدت فيه على أنه: «لم تتفق مِلة ما على كاتب يرون أنه مبدع، أو متميز إلا وهو بالفعل كذلك..». في الكتاب ذاته مقال ثانٍ عنوانه: (طه حسين مسح بنا الأرض .. والسماء أيضًا) وهو، بلا أدنى شك، صرح أدبي كبير لعل جيلي يتفق معي منذ أن قرأنا كتابه (الأيام) كموضوع مقرر علينا نحن طلبة الشهادة الثانوية في النصف من ستينيات القرن الماضي. كتابه هذا، بالتأكيد يعرفه المهتمون بالأدب العربي. إليكم ما حدث لي بعدما قرأت مقالته التي أشرت إليها والتي وصفه أنيس منصور فيها، بأنه: «أعظم شخصية في عالم الأدب والتربية».
تقول المقالة، أنهم كانوا خمسة طلاب يبدو أن كلياتهم المختلفة قد اختارتهم، بالتأكيد، لتميزهم، أو قد يكون هو من طلبهم. سوف أنتقي بعضًا من أسئلته للطلبة وتعقيبه على إجاباتهم، لنرى معًا، أحد أسباب تميز وتفوق، وفوق ذلك ريادة، التعليم في مصر.
سوف نقتبس، أولًا فقرة من حديثه مع أنيس منصور، الذي أجابه أنه يدرس الفلسفة، ورد عن سؤال أنه لم يخترها بعد عن حب، فأجابه عميد الأدب العربي: «صدقت، لأنه من الصعب تحب أحدًا في هذه المرحلة المبكرة، وسأله عن ديكارت، الذي بين له أنه البداية الحقيقية للفلسفة الحديثة، مؤكدًا له أن الشك هو البداية واليقين والنهاية، في الدين والعلوم والفلسفة، وهو الذي أعلى كرامة العقل الإنساني. أنا أفكر إذن أنا موجود، فالفكر عند الإنسان يعادل وجوده تماماً، وليس القوة ولا العصبية ولا الدين ولا المال ولا الجمال، وإنما يكون الإنسان مفكرًا، معنى ذلك إنه إنسان».
وسأله عما يريد أن يكونه في المستقبل، فأجاب أنيس منصور كاتبًا! فسرد له قائمة شملت المتنبي وابن المقفع، وابن خلدون، وأبا حيان التوحيدي وابن العميد .. وغيرهم وأكد له على أنه لا ينبغي أن يكتب سطرًا واحدًا إلا بعد أن يدرسهم تمامًا ويحفظ لهم ويجعل الكتابة آخر همه... وأن يقرأ مقامات بديع الزمان الهمذاني، ومقامات الحريري والجاحظ.. اقرأ واحفظ وافهم. فأجابه بأنه يحفظ القرآن. وأكد له أنه إنجاز عظيم، وعليك أن تفهمه تمامًا. وعليك أن تحفظ وتفهم كل ما تقرأ.
مؤكدًا له في قراءة أي شيء تكون قد اخترته بإرادتك حتى الكتب الجامعية ليست ملزمة لك كطالب، التزامك يكون بالموضوع بالقضية محل الدراسة وأنت حر في قراءة ما يساعدك على فهمها، فكل قراءة حرة، كما أن كل كتابة حرة!
حسنًا! حديث ونصح وتعقيب الدكتور طه حسين ذكي ومفيد ومهم للغاية، وأعترف أنني استفدت منه كثيرًا. فأنا قارئ بطبعي، ولكنني أعترف أنني لم أقرأ كتابًا واحدًا مما ذكره الدكتور طه حسين، قد أكون قرأت فقرات أو مواضيع لمن ذكرهم، ولكنني لم أتماهَ معهم مثلما تناولت قراءات أخرى.
أعرف كثيرين قرأوا وفهموا واستوعبوا عددًا من هذه الكتب، وكثيرًا ما استشهدوا بفقرات منها سواء في كتاباتهم أو مناقشاتهم، ولكنني أجد صعوبة في فهم ما يكتبونه. لأنني مقتنع تمامًا أن قراءة أي كتاب، أو مجلة، أو صحيفة مفيدة جدًا ولكنها لا تصنع كاتبًا، صحيح أنها تثري معلوماته وأفكاره ولغته ولكن الكتابة تحتاج إلى موهبة حقيقية إلى إحساس بالجملة وصياغتها وفكرتها وانتقاء مكان يليق بها وسط بحر الأسطر، وإن اجتمعت لكاتب ما الموهبة وعشق اللغة، وفوق ذلك دراستها يكون إنتاجه ثراء ما بعده ثراء.
كل ما قلته، سببه أنني أعرف أن قطبة مرحلة مهمة في تاريخ الأدب المصري كانت بين صديقين (لدودين) هما المرحومان الدكتور طه حسين وعباس محمود العقاد، وللاثنين مريدون يجتمعان بهم بانتظام، والمفارقة أن الأديب أنيس منصور، من مريدي عباس العقاد، ولعل ما تناولته بمثابة محاضرته الأولى في الجامعة وكانت من الدكتور طه حسين!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات