ولم يكن المسرح في جوهره إلا حوارا اجتماعيا، يظهر بأقنعة مختلفة ومتنوعة، دينية، سياسية، اجتماعية، حوارا بين الملائكة والشياطين، القدر وضحاياه، أغنياء مترفين وفقراء جوعى، آباء وأبناء، أمس وغدا، آلهة وشياطين، إلخ من أطراف هذا الحوار الاجتماعي الذي لم يتوقف عن الحدوث في الوقت الراهن والتاريخ، والذي لم يتوقف على أن يكون مظهرا لصراع أبدي بين تلك القوى الاجتماعية وبأقنعتها المتعددة والمتنوعة، ربما بدأ طقسا غامضا وبصوت «مونولوجي» مفرد، ليصبح صوتين، ثم أكثر، ثم أكثر، حتى وصلت كل الأصوات إلى المسرح، وأسهمت في هذا الحوار الاجتماعي وخاضت أنواع صراعاته.
آلاف السنين من الحوار المسرحي والأقنعة المسرحية وبالتأكيد الصراعات والحروب والمجاعات والانتصارات والهزائم الواقعية التاريخية ظل يعج بها المسرح ويراكم بها تجربة الحوار الاجتماعي.
هذا الحوار الاجتماعي لم يكن حوارا، لم يكن «ديالوجا» بمعناه الحقيقي، كان «مونولوج» صوتا واحدا وإن تعدد منشدوه، كان مونولوج حاكم أو إله أو طبقة أو عرق أو حتى جندر، يقدمه خدم آلهة الفنون كما ورد في «مونولوج المؤلف» المقدس. ليسود هذا الصوت الواحد لقرون من المسرح، ثم لتعقبه حقب أخرى من مونولوج المخرج وأخيرا مونولوج الممثل النجم «السلعة».
المسرح وكما هو في جوهره، حوار اجتماعي، متعدد الأصوات «بوليفوني» لم تعرفه خشبات مسارحنا إلا نادرا وذلك لغياب الحوار الاجتماعي في واقعنا التاريخي، وسيادة ثقافة الصوت الواحد وإن تعدد منشدوها.
تجربة البوليفونيا أو تعدد الأصوات في المسرح المصري تربطها دكتورة «رانيا يحيى» في كتابها «المسرح البوليفوني» بانهيار مشروع الحداثة وسردياته الكبرى وسيطرة ما بعد الحداثة.
في هذا الكتاب «المسرح البوليفوني وانتصار ما بعد الحداثة» تقدم لنا دكتورة «رانيا يحيى» عرضا شيقا وممتازا لأطروحات «ما بعد الحداثة»، باحثة في جذور وبدايات النشأة لهذا المجرى الثقافي والفلسفي والفني الذي فرض رؤاه، بل وهيمن على حركة النقد والدراسات الأدبية والفنية في هذه العقود الأخيرة.
المبشر في هذا الكتاب أنه لا يطرح النظريات والمناهج مكتفيا بتقديمه لنا كبضاعة جاهزة بل يحولها إلى عُدة للتحليل، يطبق ما طرح من نظريات على تجربة مهمة، هي تجربة «المسرح البوليفوني» عبر أعمال مخرج رائد هو انتصار عبدالفتاح فقد تتبعت الباحثة هذه التجربة الرائدة وأشارت بشكل مباشر وواضح إلى عناصر «ما بعد الحداثة» في هذه الأعمال.
أذكر في تسعينيات القرن الماضي وفي القاهرة تحديدا استمعت إلى محاضرة للإنجليزي «جون اللسم» بعنوان «نسبية الحداثة»، «اللسم» يقول «إن حداثة أوروبا ليست حداثة الهند مثلا «فلكل ثقافة ومجتمع حداثته الخاصة».
فيما بعد حداثة انتصار ورانيا ثمة نسبية، هي ابنة خصوصية مصرية وإسلامية عربية وبالتأكيد فرعونية، فما بعد حداثة مسرح انتصار ورغم التجاور، والتشظي وتناثر السرديات الصغرى وتنافرها أحيانا، إلا أن انتصار عبدالفتاح يصبها في مجرى سردية «عامة» كبرى «هي سردية النهضة والمعاصرة والإيمان بالمستقبل وكأنما ما بعد حداثة هذه التجربة تقود إلى «حداثة حقيقية نابعة من الذات المفردة ومن السرديات الصغرى التي كانت مهملة ومهمشة في زمن السردية الكبرى، سردية النهضة الموءودة.
على عكس فنون ما بعد الحداثة الأوروبية التي تظل فيها الذات تعاني الفراغ وتحدق في الفراغ، والتي يتحول فيها المواطن إلى فرد نهم للاستهلاك، وتتحول فيها لذة الإنتاج ومعناه إلى لذة الاستهلاك ولا معناه.
في تجربة انتصار عبدالفتاح وكما قدمتها لنا على نحو ممتاز دكتورة رانيا يكتسب اللامعنى، معنى، ويصير للصيرورة هدف وغاية، تندمج السرديات الصغرى في سردية عامة تستهدف السلام والعدل والمحبة والتآخي.
هذا الكتاب ليس إضاءة على مسرح انتصار عبدالفتاح البوليفوني فقط بل هو أيضا إضاءة للإحياء والولادة من جديد، إننا نرقص ونغني ونستعين بحابي.
هذا كتاب قد يؤسس لقراءات جديدة للمنتج الجديد في كل الفنون والآداب عبر رؤى ما بعد الحداثة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات