أول الشباب تمردتُ ككل الشباب على أي شيء وحتى على لا شيء، وقد جرى تناقل كلمة وقتها نُسبت إلى الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة قال فيها ما معناه: إذا كنت شابا ولست ماركسيا فأنت لست شابا، ولو كنت كهلا ماركسيا فأنت أحمق. وذلك انتشر في إطار السخرية والتهكم من اليسار، ما كان عندئذ في العالم أكثر فاعلية ونشاطا وحيوية.
أما من جهتي ففي مراهقتي، عملت على كتابة اسمى دون لقب، أي هكذا «أحمد محمد عبدالسلام»، وعدم ذكر الفيتوري ما كان يشير إلى القبيلة، وعند ذاك كان اللقب عندي رجعيا وحتى مقيتا.
لكن المفارقة، أنني منذ الصبا، وبين أقراني وغيرهم، عرفت بالفيتوري، فكان إن جاء أحدهم إلي بيتنا باحثا عني، وسئل ماذا يريد، يجيب بعفوية وبلاهة: أريد الفيتوري، طبعا كان إخوتي وبقية أهلي يضحكون منه وعليه، حيث يخرج أحدهم قائلا: نعم تفضل أنا الفيتوري ماذا تريد، ويكون الأبله لم يفطن إلى أن لقب كل أخوتي الفيتوري!. وهكذا حملت غصبا، وبمحبة من الآخرين، اللقب ما كرهت كاسمي حتى الساعة.
وقبل، شغلت بهذه المقاربة ذات البعد الواحد، الهوية، خاصة أنها كانت تبدو عندي وغيري كثر، أنها مسألة عربية!، وحتى ليبية قحة، على الخصوص منذ اندلاع الحرب الأهلية، التي غاص الليبيون في أتونها، وتحت لعلعة الرصاص، أمسى السؤال والمسألة الرئيسة: أنت لمن؟. وقد استعدت معارفي غير المعمقة، ما تُبين أنه أثناء هذه الحقبة الأخيرة، (الهويات القاتلة) مسألة المسائل، والمشهور منها، بل والطافح إعلاميا يخص عالمنا غير الأوروبي، لكن لما عادت أوروبا لعادتها القديمة: الحرب، عادت مسألة الهوية، كما علامة أوروبية مسجلة.
أعدت مراجعة، ما يمكن أن يقدم خلفية، تحليلية نظرية للمسألة، وهذا استحثني لمقاربة حال الساعة المفارقة!، المنغمسة في مسلك هوياتي مكشوف. وقد لاحظت من خلال متابعة، للسوشيال ميديا/ صحافة المواطن، بل ويومياته الافتراضية، أن الانقسام والتشرذم سمة عامة، وأن الفرد في هذه الصفحات كما البعير الأجرب، فكل يغني على ليلاه أو كما يقال، وأن العراك يتم تحت مظلة الأنا والتعصب لها، سواء أكانت الذات الممدوحة أم حتى المذمومة، مما يستدعي الماضي، ما يوسم عند باومان بالزومبي أي الحي الميت، وذا يهيمن على الحوار والنقاش العام.
طبعا أسهب منظرو ما بعد الحداثة وأتباعهم في علة ذلك، بموت الإنسان تحت وطأة السرديات الكبرى ما باعت للإنسان أوهام كبرى.
ما يذكر بالعكس: قولة جورج لوكاتش حول «التشيؤ» أي تحول البشر إلى سلعة، زمن الرأسمالية المحدثة، فحديث هاربرت ماركوز فيما بعد، عن الإنسان ذي البعد الواحد: «مجتمعنا المعاصر مجتمع عسكري، تترسخ في ظله سيطرة الإنسان على الطبيعة، وهذا ما يحل ظاهرياً الكثير من المشكلات. فتقوم وسائل الاتصال الجماهيري، بتحويل المصالح السياسية الخاصة، بفئة معينة أو طبقة معينة، لمصالح عامة للمجتمع ككل.
وباعتبار أن المجتمع المعاصر، يمتلك طاقات هائلة فكرية ومعنوية، فقد وصلت الهيمنة على البشر إلى درجة عالية مقارنة بالأمس، حيث إن التكنولوجية قد أصبحت بديلاً عن العنف، لتحقيق التلاحم الاجتماعي وامتصاص الأزمات».
وكأن نزعة الهوية، نزعة مجتمعات ما بعد الحداثة، وأن من دوافعها، المجتمعات الاستهلاكية المحفوفة بالتطورات التكنولوجية، أو كما يمكن أن ندرك ذلك بوضوح أكثر في مرحلة متقدمة، ما أشار إليه زيجمونت باومان في كتابه الحداثة السائلة، بأولوية الهوية على المصالح، «فلا يهم ماذا تفعل، بل من تكون»، وحيث يقول: يتحول المشهد السياسي كغيره من العروض التي تقدم إلى الجماهير، إلى جدل متواصل، حول أولية الهوية على المصالح، أو إلي درس دائم للجميع، مفاده أن الهوية هي المحك، وليست المصالح، فلا يهم ماذا تفعل، بل من تكون.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات