أربع وعشرون سنة من الألفية الثالثة مضت في سبيلها متسارعة الأحداث، عالمياً وعربياً، من انتشار الأوبئة والحروب والكوارث الطبيعية، زلازل وبراكين وفيضانات وأعاصير.. ومن كوارث غير طبيعية حلّت على المناطق الرخوة، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وانتفاضات متلاحقة وثورات بشعارات صادمة قادها ساسة طامعون ورجال دين مؤدلجون، فكان يكفينا منهم «الربيع العربي» المشبوه، الذي صدم العقل والواقع، في خيبة أمل، حاملاً جثامين التاريخ وفراغ السنوات الكبيسة، في المتاهات والنزاعات غير المُبرّرة، لشعوب فقدت إرث ماضيها التليد ووعيها بحاضرها العنيد، فبدلت أحلامها الوردية بالكوابيس السود كرايات الجماعات الإسلامية التي طفرت في المشهد السياسي كنباتٍ شيطاني في حقول الوطن، وبذات الهدف الانتحاري في النهج الأفغاني تسارعت الجموع الملتحية إلى الموت دون النجاة من فكرة التبعية العمياء!
كان اشتراط هذه الثورات المحمومة بالكراهية والحقد الدفين، أن ينال الشارع المكلوم من جبروت السُّلطة دون هوادة، ليسقط النظام كاملاً ببراثنه الحاكمة، بشرطته وجيشه، وبأمنه الداخلي والخارجي، وببلدياته وأنظمة حُكمه المحلية، وبشيوخ قبائله ومختاري محلّاته.. فكانت الفوضى العارمة التي اجتاحت المجتمع واستباحت الأخلاق فلم تبقها في صغيرٍ ولا كبير، وجرفت ما بقي من القيم الاجتماعية أمام دهشة العقل الذي صدمته حركة الشارع المهووس بحُمّى التغيير، فكان الانفلات والجنون بهدم كُل شيء قائم في المكان حتى لو كان «تمثال الغزالة» وحديقة زهور.. وفي غياب الوعي بالأمر الجلل، أصبح الخراب من صفات جيلٍ متطرِّف امتلك السلاح ساقته الرغبات وهو المُستلَب والمسلوب من إرادة الذات التي سقطت في الهشيم يوم هتف بسقوط النظام فسقط هو ولم يسقط النظام، وليكون وليمة «المؤامرة» التي جعلته ينتصر في معركة الخلاص من النظام، ثم جعلته أسير إرادة سادة الفراغ الذين اعتلوا السُّلطة سطواً بقوة السلاح وسطوة القبيلة، لا ليحققوا دولة المواطنة وقد أقصوا الوطن، ولا ليبنوا دولة المؤسسات وقد أقصوا الكفاءات، فكان الهدف أن يتمكنوا من السُّلطة وينهبوا ثروة البلاد في عز النهار، ولينتشر «الفساد الحلال» في كل المؤسسات، بل وفي كل مدينة وقرية انتخبت الفاسدين بوليمة غداء بأفخاذ العجول، وهي ذاتها حالة الفساد الأخلاقي التي كما أفسدت طبقة الرعاع من الغوغاء، أفسدت قطاع التعليم بسرقة عقول التلاميذ قبل سرقة نوافذ المدارس والكِتاب المدرسي، وأفسدت قطاع الصحة بإهمال الرعاية الصحية وباستيراد الأدوية الفاسدة وسرقة المستشفيات ومخصصات علاج الأورام وتطعيمات الأمراض السارية، ليموت المرضى في الداخل الملوّث بالأغذية المسرطنة والأوبئة، أو أن يموتوا في الخارج عاجزين عن تكلفة العلاج في مستشفيات دول الجوار، فيما التافهون في السُّلطة وحاشيتهم من المرموقين، يشفطون شحوم بطونهم في مستشفيات ألمانيا وسويسرا، وهو الامتداد الطبيعي لثورة الفساد التي اندلعت في العام 2011 بإسقاط النظام لأجل الغنيمة، ولم يكن الغيث قطرة في جيوب مؤسسي «هيئة الشهداء والجرحى والمفقودين» التي ارتكبت أول صفقة فساد في حكومات فبراير، وكُنّا تابعنا الأرقام الفلكية لأولى جرائم النهب الواردة في تقرير السيِّد «حسن زقلام» وزير المالية الأسبق.. ثم توالت كوارث سرقة المال العام بعد 2012 ليصير الفساد العلامة الدالة في معاملات المسؤول الليبي.
لقد كانت سرقة مخصصات علاج جرحى الثورة «المجيدة» وصمة عار على جبين «الثوّار» الذين خدعوا الناس بشعارات مبادئ سقط من أجلها الأبرياء ليعيش الأدنياء، وباستشهاد الأبناء تشرّدت عائلات الضحايا المساكين بين وعود السُّلطة والساسة الفاسدين، أدعياء النقاء، الذين أصبحوا في سنواتٍ معدودات من الأثرياء، وذواتهم المرموقين برعاية أمنية واستثناءات أولوية مكّنتهم من الوجاهة والرياء على درب الفاسدين الكِبار في مراكز صُنع القرار في عهد الدولة المنهوبة باسم الشعب الذي خسر المعاش والرغيف والعيش الكريم تحت شعار «عاشت ليبيا حُرة أبية» بينما الشعب ينام في الظلام تحت شبابيك المصارف!
يُغمض العام الليبي عينيه من جديد كما أغمضهما في العام الماضي بالأحلام المتكسّرة على باب السُّلطة الراشية والمرتشية، فاستغنى الأغنياء الذين ملكوا الدار والديار والدولار في دول الجوار وعواصم الدول ما بعد البحار، ونزل الفقراء فقراً سديماً في قبور المُدن الرعناء وفي البراري القِفار، والممثلون عن الشعب في صبيحة الانتخاب، صاروا يمثِّلون على الشعب بأدوار النزاهة، فتتلاشى آمال الناس بين الفصول، بستقبلون حرارة الصيف برائحة قذاراتهم، والشتاء بانهيارات سدودهم وفيضاناتهم، فتغرق البلاد في وحل الفساد الأسود، فيما تُصرَف الملايين على استضافة الفنّانين ونجوم الموضة، بادّعاء التميُّز في بلادٍ لم تعُد تتميَّز سوى في مظاهر الفقر والبؤس والغباء.
هذا هو الوجه الحضاري لبلادنا الحبيبة التي كانت مجدنا في التاريخ، ومكاننا الجميل الذي عشناه في الذكريات بروعة الحدائق والمصائف والأغنيات.. ليبيا الجميلة التي تغنّى لها عبدالوهاب يوسف «يا نغماً في خاطري» وتغنّى لها محمود اكريّم «بلد الطيوب» ومحمد حسن «بلادنا زين على زين»، وقبل عهود تغنّت لها التونسية عُليا «بر الزهر والحنّة» وحديثاً تغنّى لها الإماراتي حسين الجسمي «يا ليبيا يا جنّة».. لتدخل ليبيا النار بأيدي الآثمين من أبنائها.
كانت هذه سردية من أوجاع سنوات الغمام التي يعيشها الليبيون كمداً وقد تعاقب خلالها المبعوثون والمبعوثات، فازدهرت في عهودهم المجالس والحكومات، وانتفخت فيها السُّلطة والمنتفعون منها حدّ التخمة، فمن عاش في كنفها عاش واستعاش، ومن جهر بالوجع خنقته الحقيقة ومات!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات