Atwasat

ليبيا.. سنوات الغمام!

سالم الهنداوي الخميس 26 ديسمبر 2024, 11:45 صباحا
سالم الهنداوي

أربع‭ ‬وعشرون‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬الألفية‭ ‬الثالثة‭ ‬مضت‭ ‬في‭ ‬سبيلها‭ ‬متسارعة‭ ‬الأحداث،‭ ‬عالمياً‭ ‬وعربياً،‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬الأوبئة‭ ‬والحروب‭ ‬والكوارث‭ ‬الطبيعية،‭ ‬زلازل‭ ‬وبراكين‭ ‬وفيضانات‭ ‬وأعاصير‭.. ‬ومن‭ ‬كوارث‭ ‬غير‭ ‬طبيعية‭ ‬حلّت‭ ‬على‭ ‬المناطق‭ ‬الرخوة،‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وثقافية،‭ ‬وانتفاضات‭ ‬متلاحقة‭ ‬وثورات‭ ‬بشعارات‭ ‬صادمة‭ ‬قادها‭ ‬ساسة‭ ‬طامعون‭ ‬ورجال‭ ‬دين‭ ‬مؤدلجون،‭ ‬فكان‭ ‬يكفينا‭ ‬منهم‭ ‬‮«‬الربيع‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬المشبوه،‭ ‬الذي‭ ‬صدم‭ ‬العقل‭ ‬والواقع،‭ ‬في‭ ‬خيبة‭ ‬أمل،‭ ‬حاملاً‭ ‬جثامين‭ ‬التاريخ‭ ‬وفراغ‭ ‬السنوات‭ ‬الكبيسة،‭ ‬في‭ ‬المتاهات‭ ‬والنزاعات‭ ‬غير‭ ‬المُبرّرة،‭ ‬لشعوب‭ ‬فقدت‭ ‬إرث‭ ‬ماضيها‭ ‬التليد‭ ‬ووعيها‭ ‬بحاضرها‭ ‬العنيد،‭ ‬فبدلت‭ ‬أحلامها‭ ‬الوردية‭ ‬بالكوابيس‭ ‬السود‭ ‬كرايات‭ ‬الجماعات‭ ‬الإسلامية‭ ‬التي‭ ‬طفرت‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬كنباتٍ‭ ‬شيطاني‭ ‬في‭ ‬حقول‭ ‬الوطن،‭ ‬وبذات‭ ‬الهدف‭ ‬الانتحاري‭ ‬في‭ ‬النهج‭ ‬الأفغاني‭ ‬تسارعت‭ ‬الجموع‭ ‬الملتحية‭ ‬إلى‭ ‬الموت‭ ‬دون‭ ‬النجاة‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬التبعية‭ ‬العمياء‭!‬

كان‭ ‬اشتراط‭ ‬هذه‭ ‬الثورات‭ ‬المحمومة‭ ‬بالكراهية‭ ‬والحقد‭ ‬الدفين،‭ ‬أن‭ ‬ينال‭ ‬الشارع‭ ‬المكلوم‭ ‬من‭ ‬جبروت‭ ‬السُّلطة‭ ‬دون‭ ‬هوادة،‭ ‬ليسقط‭ ‬النظام‭ ‬كاملاً‭ ‬ببراثنه‭ ‬الحاكمة،‭ ‬بشرطته‭ ‬وجيشه،‭ ‬وبأمنه‭ ‬الداخلي‭ ‬والخارجي،‭ ‬وببلدياته‭ ‬وأنظمة‭ ‬حُكمه‭ ‬المحلية،‭ ‬وبشيوخ‭ ‬قبائله‭ ‬ومختاري‭ ‬محلّاته‭.. ‬فكانت‭ ‬الفوضى‭ ‬العارمة‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬المجتمع‭ ‬واستباحت‭ ‬الأخلاق‭ ‬فلم‭ ‬تبقها‭ ‬في‭ ‬صغيرٍ‭ ‬ولا‭ ‬كبير،‭ ‬وجرفت‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أمام‭ ‬دهشة‭ ‬العقل‭ ‬الذي‭ ‬صدمته‭ ‬حركة‭ ‬الشارع‭ ‬المهووس‭ ‬بحُمّى‭ ‬التغيير،‭ ‬فكان‭ ‬الانفلات‭ ‬والجنون‭ ‬بهدم‭ ‬كُل‭ ‬شيء‭ ‬قائم‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬‮«‬تمثال‭ ‬الغزالة‮»‬‭ ‬وحديقة‭ ‬زهور‭.. ‬وفي‭ ‬غياب‭ ‬الوعي‭ ‬بالأمر‭ ‬الجلل،‭ ‬أصبح‭ ‬الخراب‭ ‬من‭ ‬صفات‭ ‬جيلٍ‭ ‬متطرِّف‭ ‬امتلك‭ ‬السلاح‭ ‬ساقته‭ ‬الرغبات‭ ‬وهو‭ ‬المُستلَب‭ ‬والمسلوب‭ ‬من‭ ‬إرادة‭ ‬الذات‭ ‬التي‭ ‬سقطت‭ ‬في‭ ‬الهشيم‭ ‬يوم‭ ‬هتف‭ ‬بسقوط‭ ‬النظام‭ ‬فسقط‭ ‬هو‭ ‬ولم‭ ‬يسقط‭ ‬النظام،‭ ‬وليكون‭ ‬وليمة‭ ‬‮«‬المؤامرة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬جعلته‭ ‬ينتصر‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬الخلاص‭ ‬من‭ ‬النظام،‭ ‬ثم‭ ‬جعلته‭ ‬أسير‭ ‬إرادة‭ ‬سادة‭ ‬الفراغ‭ ‬الذين‭ ‬اعتلوا‭ ‬السُّلطة‭ ‬سطواً‭ ‬بقوة‭ ‬السلاح‭ ‬وسطوة‭ ‬القبيلة،‭ ‬لا‭ ‬ليحققوا‭ ‬دولة‭ ‬المواطنة‭ ‬وقد‭ ‬أقصوا‭ ‬الوطن،‭ ‬ولا‭ ‬ليبنوا‭ ‬دولة‭ ‬المؤسسات‭ ‬وقد‭ ‬أقصوا‭ ‬الكفاءات،‭ ‬فكان‭ ‬الهدف‭ ‬أن‭ ‬يتمكنوا‭ ‬من‭ ‬السُّلطة‭ ‬وينهبوا‭ ‬ثروة‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬عز‭ ‬النهار،‭ ‬ولينتشر‭ ‬‮«‬الفساد‭ ‬الحلال‮»‬‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬المؤسسات،‭ ‬بل‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مدينة‭ ‬وقرية‭ ‬انتخبت‭ ‬الفاسدين‭ ‬بوليمة‭ ‬غداء‭ ‬بأفخاذ‭ ‬العجول،‭ ‬وهي‭ ‬ذاتها‭ ‬حالة‭ ‬الفساد‭ ‬الأخلاقي‭ ‬التي‭ ‬كما‭ ‬أفسدت‭ ‬طبقة‭ ‬الرعاع‭ ‬من‭ ‬الغوغاء،‭ ‬أفسدت‭ ‬قطاع‭ ‬التعليم‭ ‬بسرقة‭ ‬عقول‭ ‬التلاميذ‭ ‬قبل‭ ‬سرقة‭ ‬نوافذ‭ ‬المدارس‭ ‬والكِتاب‭ ‬المدرسي،‭ ‬وأفسدت‭ ‬قطاع‭ ‬الصحة‭ ‬بإهمال‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬وباستيراد‭ ‬الأدوية‭ ‬الفاسدة‭ ‬وسرقة‭ ‬المستشفيات‭ ‬ومخصصات‭ ‬علاج‭ ‬الأورام‭ ‬وتطعيمات‭ ‬الأمراض‭ ‬السارية،‭ ‬ليموت‭ ‬المرضى‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الملوّث‭ ‬بالأغذية‭ ‬المسرطنة‭ ‬والأوبئة،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يموتوا‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬عاجزين‭ ‬عن‭ ‬تكلفة‭ ‬العلاج‭ ‬في‭ ‬مستشفيات‭ ‬دول‭ ‬الجوار،‭ ‬فيما‭ ‬التافهون‭ ‬في‭ ‬السُّلطة‭ ‬وحاشيتهم‭ ‬من‭ ‬المرموقين،‭ ‬يشفطون‭ ‬شحوم‭ ‬بطونهم‭ ‬في‭ ‬مستشفيات‭ ‬ألمانيا‭ ‬وسويسرا،‭ ‬وهو‭ ‬الامتداد‭ ‬الطبيعي‭ ‬لثورة‭ ‬الفساد‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2011‭ ‬بإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬لأجل‭ ‬الغنيمة،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الغيث‭ ‬قطرة‭ ‬في‭ ‬جيوب‭ ‬مؤسسي‭ ‬‮«‬هيئة‭ ‬الشهداء‭ ‬والجرحى‭ ‬والمفقودين‮»‬‭ ‬التي‭ ‬ارتكبت‭ ‬أول‭ ‬صفقة‭ ‬فساد‭ ‬في‭ ‬حكومات‭ ‬فبراير،‭ ‬وكُنّا‭ ‬تابعنا‭ ‬الأرقام‭ ‬الفلكية‭ ‬لأولى‭ ‬جرائم‭ ‬النهب‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬السيِّد‭ ‬‮«‬حسن‭ ‬زقلام‮»‬‭ ‬وزير‭ ‬المالية‭ ‬الأسبق‭.. ‬ثم‭ ‬توالت‭ ‬كوارث‭ ‬سرقة‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬بعد‭ ‬2012‭ ‬ليصير‭ ‬الفساد‭ ‬العلامة‭ ‬الدالة‭ ‬في‭ ‬معاملات‭ ‬المسؤول‭ ‬الليبي‭.‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬سرقة‭ ‬مخصصات‭ ‬علاج‭ ‬جرحى‭ ‬الثورة‭ ‬‮«‬المجيدة‮»‬‭ ‬وصمة‭ ‬عار‭ ‬على‭ ‬جبين‭ ‬‮«‬الثوّار‮»‬‭ ‬الذين‭ ‬خدعوا‭ ‬الناس‭ ‬بشعارات‭ ‬مبادئ‭ ‬سقط‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬الأبرياء‭ ‬ليعيش‭ ‬الأدنياء،‭ ‬وباستشهاد‭ ‬الأبناء‭ ‬تشرّدت‭ ‬عائلات‭ ‬الضحايا‭ ‬المساكين‭ ‬بين‭ ‬وعود‭ ‬السُّلطة‭ ‬والساسة‭ ‬الفاسدين،‭ ‬أدعياء‭ ‬النقاء،‭ ‬الذين‭ ‬أصبحوا‭ ‬في‭ ‬سنواتٍ‭ ‬معدودات‭ ‬من‭ ‬الأثرياء،‭ ‬وذواتهم‭ ‬المرموقين‭ ‬برعاية‭ ‬أمنية‭ ‬واستثناءات‭ ‬أولوية‭ ‬مكّنتهم‭ ‬من‭ ‬الوجاهة‭ ‬والرياء‭ ‬على‭ ‬درب‭ ‬الفاسدين‭ ‬الكِبار‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬صُنع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الدولة‭ ‬المنهوبة‭ ‬باسم‭ ‬الشعب‭ ‬الذي‭ ‬خسر‭ ‬المعاش‭ ‬والرغيف‭ ‬والعيش‭ ‬الكريم‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬عاشت‭ ‬ليبيا‭ ‬حُرة‭ ‬أبية‮»‬‭ ‬بينما‭ ‬الشعب‭ ‬ينام‭ ‬في‭ ‬الظلام‭ ‬تحت‭ ‬شبابيك‭ ‬المصارف‭!‬

يُغمض‭ ‬العام‭ ‬الليبي‭ ‬عينيه‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬كما‭ ‬أغمضهما‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬بالأحلام‭ ‬المتكسّرة‭ ‬على‭ ‬باب‭ ‬السُّلطة‭ ‬الراشية‭ ‬والمرتشية،‭ ‬فاستغنى‭ ‬الأغنياء‭ ‬الذين‭ ‬ملكوا‭ ‬الدار‭ ‬والديار‭ ‬والدولار‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬وعواصم‭ ‬الدول‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬البحار،‭ ‬ونزل‭ ‬الفقراء‭ ‬فقراً‭ ‬سديماً‭ ‬في‭ ‬قبور‭ ‬المُدن‭ ‬الرعناء‭ ‬وفي‭ ‬البراري‭ ‬القِفار،‭ ‬والممثلون‭ ‬عن‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬صبيحة‭ ‬الانتخاب،‭ ‬صاروا‭ ‬يمثِّلون‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬بأدوار‭ ‬النزاهة،‭ ‬فتتلاشى‭ ‬آمال‭ ‬الناس‭ ‬بين‭ ‬الفصول،‭ ‬بستقبلون‭ ‬حرارة‭ ‬الصيف‭ ‬برائحة‭ ‬قذاراتهم،‭ ‬والشتاء‭ ‬بانهيارات‭ ‬سدودهم‭ ‬وفيضاناتهم،‭ ‬فتغرق‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬وحل‭ ‬الفساد‭ ‬الأسود،‭ ‬فيما‭ ‬تُصرَف‭ ‬الملايين‭ ‬على‭ ‬استضافة‭ ‬الفنّانين‭ ‬ونجوم‭ ‬الموضة،‭ ‬بادّعاء‭ ‬التميُّز‭ ‬في‭ ‬بلادٍ‭ ‬لم‭ ‬تعُد‭ ‬تتميَّز‭ ‬سوى‭ ‬في‭ ‬مظاهر‭ ‬الفقر‭ ‬والبؤس‭ ‬والغباء‭.‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الوجه‭ ‬الحضاري‭ ‬لبلادنا‭ ‬الحبيبة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مجدنا‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬ومكاننا‭ ‬الجميل‭ ‬الذي‭ ‬عشناه‭ ‬في‭ ‬الذكريات‭ ‬بروعة‭ ‬الحدائق‭ ‬والمصائف‭ ‬والأغنيات‭.. ‬ليبيا‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬تغنّى‭ ‬لها‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬يوسف‭ ‬‮«‬يا‭ ‬نغماً‭ ‬في‭ ‬خاطري‮»‬‭ ‬وتغنّى‭ ‬لها‭ ‬محمود‭ ‬اكريّم‭ ‬‮«‬بلد‭ ‬الطيوب‮»‬‭ ‬ومحمد‭ ‬حسن‭ ‬‮«‬بلادنا‭ ‬زين‭ ‬على‭ ‬زين‮»‬،‭ ‬وقبل‭ ‬عهود‭ ‬تغنّت‭ ‬لها‭ ‬التونسية‭ ‬عُليا‭ ‬‮«‬بر‭ ‬الزهر‭ ‬والحنّة‮»‬‭ ‬وحديثاً‭ ‬تغنّى‭ ‬لها‭ ‬الإماراتي‭ ‬حسين‭ ‬الجسمي‭ ‬‮«‬يا‭ ‬ليبيا‭ ‬يا‭ ‬جنّة‮»‬‭.‬‭. ‬لتدخل‭ ‬ليبيا‭ ‬النار‭ ‬بأيدي‭ ‬الآثمين‭ ‬من‭ ‬أبنائها‭.‬

كانت‭ ‬هذه‭ ‬سردية‭ ‬من‭ ‬أوجاع‭ ‬سنوات‭ ‬الغمام‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الليبيون‭ ‬كمداً‭ ‬وقد‭ ‬تعاقب‭ ‬خلالها‭ ‬المبعوثون‭ ‬والمبعوثات،‭ ‬فازدهرت‭ ‬في‭ ‬عهودهم‭ ‬المجالس‭ ‬والحكومات،‭ ‬وانتفخت‭ ‬فيها‭ ‬السُّلطة‭ ‬والمنتفعون‭ ‬منها‭ ‬حدّ‭ ‬التخمة،‭ ‬فمن‭ ‬عاش‭ ‬في‭ ‬كنفها‭ ‬عاش‭ ‬واستعاش،‭ ‬ومن‭ ‬جهر‭ ‬بالوجع‭ ‬خنقته‭ ‬الحقيقة‭ ‬ومات‭!‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»