Atwasat

الفرح ممنوع في ليبيا

سالم العوكلي الثلاثاء 17 ديسمبر 2024, 02:27 مساء
سالم العوكلي

كنت أتابع برنامج «تريندينج» على قناة «بي بي سي عربي» لمعرفة ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي عن حرب غزة وما حدث في سورية، وفي نهاية البرنامج، وفي جزئه المختص بما يحدث في العالم من غرائب وطرائف، فوجئت بأخبار وصور عن مصادرة جهاز الحرس البلدي ببنغازي للهدايا والألعاب والمصابيح وكل ما يتعلق بالاحتفال برأس السنة الجديدة، وقرأت المذيعة نص القرار دون أن تفارقها ابتسامة هزؤ، أما أنا فضحكت بألم، لأني تذكرت فورًا البيان أو الفتوى التي أصدرها ديوان الحسبة التابع لتنظيم الدولة الإسلامية إبان سيطرته على درنة وضواحيها، وتقريبًا هو نفسه نص القرار الذي صدر بناء على تعليمات مدير فرع الجهاز، اللواء عبد المنعم المهشهش، الذي يؤكد «أن هذه الاحتفالات مخالفة لتعاليم الشريعة الإسلامية»، وفي عرضها لبعض إدراجات المعلقين على الخبر.

فلم تبتعد عن الفكرة، وكان احتجاجهم منصبًا على أن في ليبيا أجانب من حقهم أن يحتفلوا ويفرحوا، والأمر كله حالة خلط بين احتفالين مختلفين تمامًا، الكريسماس المسيحي الموافق يوم 24 ديسمبر، ورأس السنة المتعلق بقدوم عام جديد ضمن تقويم عالمي يستخدمه الكون كله، والمفارق أن القرار نفسه مؤرخ بهذا التقويم نفسه، فنحن نستخرج شهادات ميلادنا ووفاتنا ونؤرخ كل إجراءاتنا وفق هذا التقويم المعتمد رسميًا، ومع أن لكل أمة تقويمها الخاص الذي تحتفل برأس سنته، لكن العالم كله يحتفل برأس السنة الميلادية، وتلقائيًا سنقول لبعضنا بداية كل عام ميلادي جديد: كل عام وأنتم بخير.

ضحكت على مضض وبألم لأن الورقة التي كان يوزعها منتسبو داعش في البوابات أحتفظ بنسخة منها كوثيقة من الزمن السيئ، ونصها يقول: «بناء على الإرشادات الواردة من أمير ديوان الحسبة في ولاية برقة يحرم تحريمًا قاطعًا الاحتفال برأس السنة لأنه يخالف الشريعة الإسلامية، ونُعلم التجار والبائعين بأنه ستصادر منهم أي بضائع متعلقة بهذا الاحتفال الكفري وسيقفل المحل فورًا ويحال مالكه إلى قاضي الولاية، كما ستصادر في البوابات كل سيارة يوجد بها ما يتعلق بهذا الاحتفال الدخيل على ديننا وشريعتنا الإسلامية». وقد جاء هذا القرار الداعشي بعد يوم من إصدار قرار بقفل كل محلات التبغ في درنة، مساء السبت 20 ديسمبر 2014. وبعد عشر سنوات بالضبط يأتي قرار جهاز الحرس البلدي وبالمنطوق نفسه تقريبًا.

فماذا حدث؟ وهل كل شهداء هذا الوطن الذين ضحوا بأنفسهم في الحرب على هذه التنظيمات الإرهابية ضاع دمهم هباء طالما الفكر نفسه ما زال ساريًا في مؤسساتنا الرسمية التي لا تعير إعلاننا الدستوري ولا قوانيننا السارية أي اهتمام وكأنها لا تعترف بها.

لقد خاض الجيش الوطني في الشرق حربًا ضارية ضد هذه الجماعات الإرهابية ودفع خيرة شبابه أرواحَهم من أجل التخلص من هذه الكوابيس، والحرب على الإرهاب بكل أنواعه ـ سواء أكان عنفًا مباشرًا، أو لفظيًا، أو تكفيرًا عبر قوانين وقرارات تتعلق بحياة الناس الشخصية ـ لا تعني فقط القضاء على هذه الجماعات والأشخاص، بل القضاء على الفكر الذي صنعهم، لأن الإرهاب يبدأ من الأفكار والفتاوى قبل أن يتجسد في العنف المباشر، والأكثر خطرًا أنه بعد قضاء الجيش على هذه الجماعات الدخيلة على مجتمعنا، وتنظيف كل المناطق التي سيطرت عليها، تنتقل الأفكار نفسها إلى الجهات الرسمية وتتحول إلى قوانين وقرارات ملزمة.

حقيقة ما يدعو للعجب أن كل مؤسسات الأمن والأجهزة الضبطية في ليبيا تركت كل الأعمال المكلفة بها حسب القوانين المنشأة بموجبها، وتفرغت لإجراءات التصدي لكل ما يتعلق بخصوصيات هذا المجتمع وأسباب فرحه أو مناسبات تواصله، وطبيعة احتفالاتهم التي منذ زمن وقبل أن تخرج هذه الأفكار المتشددة كانت حريصة على الحفاظ على تقاليد مجتمعنا الأخلاقية، وأي مزايدة على أخلاق هذا المجتمع واعتزازه بهويته مزعجة له، بل مهينة له. غير أن الخلط وسوء الفهم والجهل كلها تكمن وراء مثل هذه القرارات المزايدة على أخلاق هذا المجتمع، وهذا الجهل يكمن في الخلط بين الكريسماس أو عيد ميلاد المسيح عليه السلام.

وبين رأس السنة الجديدة التي ينتقل فيها الكون كله إلى رقم جديد في سنوات التقويم، متبادلين الأماني بأن يكون العام الجديد أفضل لهذا العالم وأن يعمه السلام، وكل مجتمع يحتفل وفق عاداته وتقاليده وقوانينه دون أن تؤذي هذه الاحتفالات أحدًا، غير أن التربص بالمرح وبالفرح أصبح ثقافة منذ النظام السابق الذي سبق مثله مثل داعش أن أصدر قرارات يمنع بها الاحتفال بكل عيد لأن اجتماع الناس يرهبه، فجعل البلد في حالة تجهم وحداد دائم، وأصبح لا يتغنى إلا بالموت ولا يحتفل إلا بالمعارك حتى في الحروب الأهلية منها.

ولا يلتقي أفراده إلا في المآتم، بحجة أنه يطبق الشريعة التي جعلها شعار نظامه ومنطلق كتابه الأخضر، وفي الأحوال جميعها هي متاجرة رخيصة بالشريعة التي يعرفها الليبيون جيدًا، ولأن الحياة دائمًا تنتصر انتهى ذاك النظام وحقبته المتجهمة والقاسية على تفاصيل حياة الناس تلك النهاية السيئة، وخرج الليبيون للحياة من جديد بألوانهم الزاهية ليحتفلوا بأعياد ثورتهم وبكل الأعياد الكونية التي تربطهم مع نوعهم البشري.

الشيء الوحيد الذي أفرحني في سماعي لهذا الخبر أن أكتشف أن لدينا جهازًا للحرس البلدي؛ والذي طالما افتقدته وأنا أتنقل في قلب ألوف المخالفات التي حري به أن يتابعها ويوقفها، وهي من صميم عمله وواجبه الذي بناء عليه يتلقى أفراده مرتباتهم وترقياتهم.

المتجول في الشرق الليبي الذي لم أغادره من سنوات، سيرى ألوف المخالفات المتعلق إيقافها بأجهزة الضبط القضائي، مثل الشرطة الزراعية أو شرطة الكهرباء أو الشرطة السياحية، والمخالفات الأخطر تتعلق بهذا الجهاز المهم، حيث انتُهِكت الأملاك العامة في المدن والقرى، وحرمات الطرق والشواطئ، وحيث تتكدس في المحلات آلاف الأشولة من جذور أشجار غابات الجبل الأخضر المزالة، وآلاف الأطنان من الفحم، وحيث تكتظ المحلات بالسلع الغذائية غير المراقبة أو منتهية الصلاحية.

بل إن السلع المنتهية الصلاحية تباع علنًا في أكداس بأسعار مخفضة، وحيث تمتلئ الصيدليات بالأدوية المغشوشة والمنتهية الصلاحية، وكلها مخالفات تتعلق بحياة الناس وسلامتهم، وبمستقبل أجيالنا البيئي وأكسجينهم الذي يتنفسونه، وهي تخالف كل شرائع الأرض وقوانينها، ولأني أرى كل يوم هذه المخالفات اعتقدت أنه لا يوجد جهاز حرس بلدي، أو أنه غير مرئي وغير ظاهر طالما هذه المخالفات التي تغمرنا وتردمنا مستمرة وكل يوم، وحقيقة أن ما يخالف الشريعة فعلًا أن تتقاضى مرتبات من الدولة مقابل عمل لا تقوم به كما يجب، لأن المهنة أو الوظيفة أو المسؤولية أمانة في عنق من يتقلدها، ومن لا يقوم بمسؤولياته حيال حماية أملاك الدولة، وحياة الناس وصحتهم، وحيال بيئتنا وغاباتنا فإنه يخون هذه الأمانة المكلف بها.

وهذا التقصير ما جعل الجيش الوطني يتدخل ويزيل الكثير من المخالفات المذكورة، رغم أنه ليس اختصاصه، ولكن نتيجة لتقصير هذه الأجهزة المتفرجة منذ أكثر من عقد على كل هذه المخالفات الخطيرة. وفرحت شرائح كثيرة من الليبيين بإزالة هذه المخالفات والانتهاكات من قبل الجيش، وتحويل تلك الفضاءات إلى حدائق نظيفة وملاهٍ يحتفل فيها الأطفال ويفرحون كما يحدث في مدينة درنة الآن، لكن الأجهزة المؤدلجة كما في وزارة الداخلية في طرابلس، وجهاز الحرس البلدي في بنغازي، بالمرصاد لكل فرحة يحتاجها شعب عانى الكثير من البؤس ومنذ عقود بل منذ قرون، وهي مؤسسات تترك عملها الأصلي المهم جدا لهذا الوطن وتركز على كل ما يتعلق بخصوصيات الناس ووجدانهم.

فرجاء دعوا هذا المجتمع في حاله، ويكفي ما عاناه من طاغية كان يعتقد أنه يطبق الشريعة في كل ما خنق به الليبيين وعذبهم، وما عانى من جماعات إرهابية كانت تتربص بكل ما يُدخل الفرحة في قلوبهم، وتخطف وتقتل وتمثل بجثث المسلمين بينما تعتبر السجائر هي الجريمة الكبرى وكله بحجة تطبيق الشريعة، وتعاملت مع الناس ككفار يحتاجون إلى الفتاوى والقرارات والاستتابة وشرطة الآداب، وهم أنقى وأكثر إيمانا وفهما من أولئك الذين زايدوا عليهم، وعينوا أنفسهم من دون حق أوصياء على أخلاق وهوية هذا المجتمع المحافظ بطبيعته.

يقول ﷺ: «إنَّ اللهَ جميلٌ يُحبُّ الجمالَ». ويقول: «النظافة من الإيمان». وليست عقود المصابيح أو منتجات الزينة أو الهدايا والألعاب ما تهدد الجمال والنظافة، لكن تلك القمامة المكدسة في الشوارع وعلى جنبات طرقنا، وبرك مياه المجاري، والمباني العشوائية التي تجتاح فضاءنا، وأشولة الحطب وأكياس الفحم التي تسد أرصفتنا، وصميم عمل جهاز الحرس البلدي هو الحفاظ على نظافة وجمال الفضاء العام، وهي مهمة نبيلة ترقى إلى مسؤولية حماية حياة الناس وصحتهم. وأتمنى من هذا الجهاز المهم والمخلصين فيه أن ينقلوه إلى معركته الحقيقية التي تحميها وتصونها قوانين إنشاء هذا الجهاز وصلاحياته الضبطية الممنوحة له وفق القانون.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»