نشأت الديموقراطية، أول ما نشأت، في اليونان القديمة، ورغم أنها كانت ديموقراطية إقصائية وانتقائية، بما أنها تستبعد من مشمولاتها النساء والعبيد مقتصرة على الرجال «الأحرار». بيد أنها كانت خطوة متقدمة فتحت أفقاً جديداً أمام الإنسانية على صعيد العلاقة بين الحاكمين والمحكومين من خلال مؤسسة البرلمان. فللمرة الأولى يصبح للمحكومين رأي وصوت، مهما كان ضعيفاً، في إدارة شؤون الدولة وقوانين تقلص صلاحية الحكام.
ثم تطورت، في دول الغرب تحديداً، إلى ما نشهده الآن من من تعاظم الرقابة الشعبية على سلطة الدولة بحيث أصبح البرلمان مصدر التشريعات وأصبحت الحكومة مجرد مؤسسات تنفيذية.
بطبيعة الحال، نحن لا نقول بأن النظام الديموقراطي نظام مثالي خالٍ من الشوائب، ولكننا نرى أنه أثبت، حتى الآن، أنه النظام الأمثل.
صحيح أن الأنظمة الموصوفة بأنها ديموقراطية تقوم، أحياناً، بإجراءات تخالف مبادئ الديموقراطية وأسسها، ولكن هذا لا يطعن في محتوى الديموقراطية ذاتها من الناحية النظرية، وإنما يتعلق بالتطبيق والممارسة. وهذا أمر معهود في الواقع الإنساني. فدائماً توجد فجوة، تضيق أو تتسع، بين أية معتقدات دينية أو فكرية وبين إعمالها في الواقع الفعلي. النقد إذن، ينبغي أن يصوب بشكل أساسي إلى التطبيقات والممارسات، أي أنه نقد عملي، وليس إلى المبادئ تحديداً، ذلك أن نقد المبادئ، وهو أمر مشروع بكل تأكيد، شأن فكري.
تعاني الديموقراطية حالياً «تراجعاً نسبياً»(1) نتيجة صعود اليمين الشعبوي في الغرب، والتأثير السلبي لهذا الصعود يتفرع إلى شعبتين، شعبة يمكن تصنيفها على أنها شعبة عامة تتعلق بمعاداة هذا اليمين للمهاجرين وطالبي اللجوء والأجانب (بمن فيهم حاملو جنسيات دول الغرب) وشعبة يمكن وصفها على أنها شعبة جزئية أو فرعية تتصل بموقف هذا اليمين، الرسمي والشعبي، في دعمه لإسرائيل والمشروع الصهيوني دون قيد أو شرط وإنكار الحقوق الأصيلة للشعب الفلسطيني.
إن أبرز ما كشف ازدواجية معايير الغرب الرسمي واليمين المتطرف هي أعمال الإبادة الجماعية التي يقترفها الكيان الصهيوني يومياً منذ حوالي سنة وثلاثة أشهر. هذه الجرائم المعادية للإنسانية استفزت الضمير الإنساني في الغرب فاندلعت الاحتجاجات الشعبية العامة والاحتجاجات الطلابية داخل العديد من جامعات الغرب. و«هذه الاحتجاجات الطلابية تمثل في أحد جوانبها المهمة تأكيداً لإمكانية إنقاذ الديمقراطية الغربية في المستقبل القريب، خاصة وأن المتظاهرين في الجامعات الغربية سيشكلون النخبة الأوروبية والأميركية المقبلة، التي ستتولى خلال العقود المقبلة إدارة مؤسسات الحكم، ومن ثم يمكنها أن تعيد قواعد الديمقراطية الغربية إلى أصولها ونصابها»(2).
(1)- انظر، سفير محمد بدر الدين زايد: الديمقراطية الغربية.. إشكاليات تاريخية وتداعيات سياسية. مجلة الديمقراطية. ع 96. أكتوبر. القاهرة. 2024. وأيضا، ألفة السلامي: أسباب وتداعيات صعود اليمين المتطرف في أوروبا. ن. م.
(2)- كرم سعيد، حراك الجامعات الغربية.. انتكاسة النموذج الديمقراطي. ن. م.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات