Atwasat

على الشام السلام

سالم العوكلي الثلاثاء 10 ديسمبر 2024, 02:33 مساء
سالم العوكلي

بعد اجتياح هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها حلب، كتبتُ في المقالة السابقة ما نصه: «لا أحد يؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان لا يتمنى نهاية النظام الدكتاتوري في سورية، لكن هل هؤلاء الهمج الذين يركضون في شوارع حلب بأحذيتهم الخشنة وابتهالات داعش هم البديل، والذين لو انتصروا سيتحاربون فيما بينهم على الغنيمة إلى الأبد». وفي خلاصة، ومنذ الثورة الإيرانية وما تبعها في المنطقة، ذكرتُ أن «استبدال دكتاتوريات علمانية بدكتاتوريات دينية هو أحد تقنيات الإعداد لما يسمى الفوضى الخلاقة».

ولأني كنت خائفاً على حلب بما لها من مكانة في وجداني ووجدان أي عربي، رأيت نزيف القدود الحليبية على أرصفتها وهي تداس بأحذية من يوحي مظهرهم وأناشيدهم بأنهم سيحرمون الغناء والموسيقى. ولأنني أحب سورية وخائف على سورية أتمنى أن تكون هذه التوقعات مخطئة، وأن يستفيد من سيطروا عليها من تجارب الثورات السابقة، وربما هذا ما توحي أو بالأحرى توهم به التصريحات الأولية وبعض المظاهر الاحتفالية، التي تشبه تصريحات الخميني في بداية الثورة وتصريحات قادة طالبان قبل استلامهم أفغانستان على طبق من ظلام.

لكني أعرف أن الوجد الذي سبق واختبرناه، والذي يعقب سقوط أنظمة عاتية بانقشاع ظلامها واستنشاق هواء الحرية، غالباً ما يكون موقتاً، وينفد رصيده تدريجيا مع هبات زوابع الصراع على الغنيمة والسلطة والنفوذ، لأنه وجد وليس وعياً، وأتمنى أن لا يكون ما يحدث في أيام سقوط النظام السوري الأولى سكرة ستروح وتعقبها الفكرة، وما أصعبها من فكرة حين تكون كما حدث في ربيعنا مشروعاً لاستدعاء كوابيس الماضي لتصفية الحسابات، وإصدار قانون ميت للعزل، أو هيأة لتحديد معايير الوطنية والنزاهة، تعمل جميعها على إقصاء الكفاءات، جسديا أو قانونيا، لينفرد بالساحة الجهلةُ الذين لا يملكون مؤهلات سوى السلاح في أيديهم.

في بداية الثورة الليبية قال المفكر الفلسطيني عزمي بشارة الذي كان ينأى عن أي سؤال يتعلق بالثورة الليبية ويحب الحديث عن الثورتين، المصرية والتونسية، قال «الثورات العنيفة قد تجتث النظام من جذوره لكنها غالباً لا تفضي إلى ديمقراطية» وأتمنى أن تنجو سورية الحبيبة من (غالباً) هذه، وتنحو تجاه الاستثناء النادر الذي يليق بحضارتها وبتنوعها المثري وبمضمون أهلها الجمالي والثقافي.

الآن تقع سورية في قبضة الإسلام السياسي بكل تدرجات مستوى تشدده، وكما حدث في ليبيا حيث أطلقت الميديا الكونية على إرهابيين سابقين تسمية (معارضين سابقين)، فإن أبومحمد الجولاني الذي أعلن أخيرا عن اسمه الحقيقي (أحمد الشرع) وهو مصنف في كثير من مؤسسات العالم الدولية بالإرهابي المطلوب، بدأ في هيأة كاسترو يتسكع في شوارع دمشق وسط حشد من مريديه، ويظهر في مقاطع دعائية وكأنه نجم سينمائي، يتحدث بلغة هامسة كأنها تخرج من حنجرة غاندي، عبر برنامج متكامل لترويجه كبديل عصري لنظام صرف المليارات كي يظهر طبيب العيون بشار الأسد في ذروة أناقته وهو يتحدث بلغة بلاغية هادئة عن مستقبل سورية العظيم معه في بداية وراثته للسلطة وفي خطاب القسم الذي أشعرنا وقتها أن سورية ستكون أول ديمقراطية حقيقية في المنطقة، ولكن الأمر كله كان لا يبعد عن الوجد الذي يدغدغ الوجدان موقتاً والذي طبيعة صاحبه أن يتمسكن حتى يتمكن.

وأتمنى أن لا يكون كلام الجولاني سابقاً، أحمد الشرع حالياً، نوعاً من المسكنة الموقتة (كما فعل الإخوان المسلمون بداية ثورات الربيع العربي) الذين سرقوا هذه الثورات التي قادها شبان الطبقة الوسطى الرقميون، وانتكسوا بها إلى دكتاتوريات أعتى من السابقة، واستخدموا كل وسائل النظم السابقة للتفرد بالسلطة وقمع معارضيهم.

ثمة دكتاتورية بعثية علمانية سقطت، والخوف من أن يكون البديل دكتاتورية دينية تلوح في أفق الشعارات والهتافات، والبديل دائما لهذه النقائض المفضية للهاوية نفسها، هو الديمقراطية العلمانية التي من الممكن أن تتساوى فيها كل المكونات الدينية والمذهبية والعرقية التي يتميز بها المجتمع السوري المتنوع، تحت مظلة دستور علماني يضمن حق المواطنة للجميع، وهي الديمقراطية العلمانية التي كان من الممكن أن تحمي السودان ولبنان مما آلتا إليه من انقسامات وحروب وخراب.

يصرح مسؤول في الأمن القومي الأميركي بأن سرعة وصول (المعارضة) إلى حدود دمشق أذهلتنا. وفي الواقع لم تكن مثلما أذهلتنا سرعة سيطرة طالبان؛ الذين في خلال 72 ساعة فقط وصلوا إلى كابول، بعد أن سيطروا على كل مدن وقرى أفغانستان المترامية رغم وجود عشرات الألوف من جنود الجيش الأميركي وحلف الناتو فوق أرضها، ومثلما كانت طالبان مصنفة جماعة إرهابية، فجبهة النصرة التي تغير اسمها إلى هياة تحرير الشام وتغير اسم قائدها إلى أحمد الشرع، مصنفة جماعة إرهابية من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة، ومثلما وصلت حركة طالبان بسرعة إلى قلب كابول وصلت الفصائل المسلحة بسرعة إلى قلب دمشق، فهل سيتسمر السيناريو نفسه بعد أن تتخلى القوى التي أدارت هذه العملية عن سوريا، وتتركها لحكم الإسلام السياسي ليبني دكتاتوريته على حساب الأقليات المذهبية والمرأة، مثلما فعلت جبهة النصرة في بعض المناطق التي سيطرت عليها سابقاً.

يرحل الأسد غير مأسوف عليه، ويأتي الجولاني غير موثوق فيه، فسيرته لا تبشر بخير، وفي ويكيبيديا (المعتمدة) ترد عنه هذه المعلومات المفزعة، ورغم أن الموقع متاح للجميع ولكن أجد من المناسب وضعها في هذا السياق: «أبو محمّد الجولاني أمّا اسمهُ الحقيقيّ فهوَ أحمد حسين الشرع، هو القائد الأعلى لهيئة تحرير الشام المُسلّحة التي تنشطُ في الحرب الأهلية. وكان أيضًا أميرَ جبهة النصرة – قبل أن تُغيّر اسمها – التي تُعدّ الفرع السوري لتنظيم القاعدة.

صنّفت وزارة الخارجية الأميركية الجولاني على أنه «إرهابي عالمي» في أيّار/ مايو 2013، وبعد ذلك بأربع سنوات؛ أعلنت عن مكافأةٍ قدرها 10 ملايين دولار لكل من يُدلي بمعلومات تؤدّي إلى القبض عليه ... وكانَ الجولاني قد أصدرَ بيانًا صوتيًا في 28 أيلول/ سبتمبر 2014 صرّح فيه بأنه سيحارب الولايات المتحدة وحلفائها [كذا] وحثَّ مقاتليه على عدم قبول مساعدة الغرب في معركتهم، ولكنه تراجع عن تهديد أميركا، ففي مقابلة أجراها الصحفي الأميركي مارتن سميث مع الجولاني لعام 2021 مطلع فبراير/ شباط الماضي قال الجولاني إن هيئة تحرير الشام لا تشكّل أي تهديد للولايات المتحدة الأميركية وعلى الإدارة الأميركية رفعها من قائمتها للإرهاب، وأضاف كنا ننتقد بعض السياسات الغربية في المنطقة.

أما أن نشن هجمات ضد الدول الغربية، فلا نريد ذلك» وقبل ذلك «انتقل الجولاني إلى العراق لمحاربة القوات الأميركية بعد الغزو عام 2003؛ وسُرعان ما ارتقى في صفوف تنظيمِ القاعدة في العراق حيثُ أصبح مقربًا من زعيم التنظيم آنذاك أبومصعب الزرقاوي.

بعد مقتل هذا الأخير في غارة جوية أميركية في عام 2006؛ غادرَ الجولاني العراق وظل لفترة قصيرة في لبنان حيث قدم الدعم اللوجستي لجماعة جند الشام المُسلّحة. عادَ إلى العراق لمواصلة القتال لكنه اعتُقل هذه المرّة من قبل الجيش الأميركي واحتُجز في معسكر بوكا الذي كان سجنًا لعشرات الآلاف من «المتشددين المشتبه بهم.

بعد إطلاق سراحه من سجنِ بوكا في العام 2008؛ استأنفَ الجولاني عمله العسكري حيثُ عملَ هذه المرة إلى جانب أبو بكر البغدادي والي دولة العراق الإسلامية آنذاك. برزَ بشكلٍ سريع في المعارك فعُيّنَ رئيسًا لعمليات دولة العراق الإسلامية في محافظة نينوى ... بعد فترة وجيزة من اندلاع الانتفاضة ضد حكومة الرئيس السوري بشار الأسد في العام 2011؛ لعب الجولاني دورًا مهمًا في التخطيطِ لتأسيسِ فرعٍ لدولة العراق الإسلامية في سورية حيثُ أشرفَ على تشكيلِ ما عُرف باسمِ جبهة النصرة. كانت هذه المجموعة بمثابة الفرع السوري لدولة العراق الإسلاميّة بقيادة أبو بكر البغدادي الذي سهّل على الجولاني مأموريّته بعدما مدّه بالمُقاتِلين والأسلحة والمال.

عندما سُئل الجولاني في مايو 2015 عن خطط النصرة لسورية ما بعد الحرب؛ صرّح الجولاني أنه بعد انتهاء الحرب سيتم التشاور مع جميع الفصائل في البلاد وذلك قبل أن يُفكر أيّ شخص في «إقامة دولة إسلامية» في إشارةٍ للبغدادي كما ذكر أن النصرة لن تستهدفَ الأقليّة العلوية في البلاد على الرغم من دعمها لنظام الأسد؛ واسترسل: «حربنا ليست مسألة انتقام ضد العلويين على الرغم من حقيقة أنهم في الإسلام يُعتَبرون زنادقة».

هل تغير الجولاني أثناء هذه السنوات الذي غير هندامه ولهجته بما يناسب رعاة المهمة؟ وهل من تربى في كنف الزرقاوي والظواهري والبغدادي من الممكن أن يتحدث بلغة وخطاب غاندي أو مانديلا؟. لا أعتقد.

فالمفردات الكاشفة لحقيقته في خطبه الارتجالية مثل (المجاهدون، فتح دمشق، المرتدون) وهو يلقي يوم الأحد خطبة جمعة من الجامع الأموي لا يخاطب فيها سوى أصحاب مذهبه، وهو يخاطب الأمة الإسلامية حيث سورية لا تتسع لمشروعه.

وكما قلت أتمنى أن تكون توقعاتي خاطئة من أجل سورية والسوريين، وألا يكون إبعاد إيران عن سورية خطوة نحو تأسيس نظام ولاية فقيه آخر في سورية. وأتمنى ألا يغادر المكون المسيحي الجميل الذي يمثل نواة هذه المجتمعات سوريا كما حدث في العراق حين اجتاحت داعش و (أذهلتنا) نصف العراق وسيطرت على الموصل في أيام معدودة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»