Atwasat

رحم الله علي كاجيجي

أمين مازن الأحد 08 ديسمبر 2024, 02:15 مساء
أمين مازن

عندما وقفت لمشاركة الذين تنادوا لحمل جثمان المناضل المهندس علي محمد أحمد كاجيجي حيث ووريَ جسده الطاهر تراب الوطن في مقبرة سيدي حسين في السادس والعشرين من نوڨمبر بمدينة طرابلس بعد تأبينه من رفاق رحلته المُشرِّفة والذين أبوا إلا أن يشركوني معهم، لم أملك وأنا ألتزم بما يمليه الوقت من الالتزام بالترحم ليس أكثر، فأستعيدُ ذلك المشوار النضالي الذي رسخَ بذاكرتي في أول تجمّع بالجامعة الليبية أثناء الأشهر الستة التي تلت سبتمبر 69 وما شهدته طرابلس من حراك متعدد ومتغيرات استدعت قدوم الوفود الدولية من أجانب وعرب.

منهم من جاء للتهنئة بتصفية القواعد الأجنبية، بريطانية وأميركية تحديدًا، ومنهم من يعرض مساعدته، ومنهم من ينشُد العون، وقد كان من بينهم وفد اليمن الجنوبي برئاسة محمد علي هيثم والذي اقتضت طبيعة تشكيله على الأرجح أن ينتظم اللقاء الشعبي معه بالفضاء الجامعي عسى أن يقف على نوعية الأسئلة التي تشغل بال القطاع الطلابي والذي لا بد أن يكون مشغولًا بما يجري في الخليج العربي الذي شهد استقلال اليمن الجنوبي بمعزل عن حركة عبد القوي مكاوي المُتخذ من القاهرة مركزًا وصوت العرب إذاعةً.

فإذا بالسلطة تؤول سريعًا إلى قحطان الشعبي في حين تُنذر جبهة تحرير ظفار بما لم يكن في الحسبان من مخاطر التيارات اليسارية على الدولة الناشئة من الاتحاد السوڨيتي وخطره على الاستقلال الذي يزيد (حسب فهم البعض) على استعمار الأمس، وقد علمت من بعض الأقارب الدارسين بالجامعة أن المتحدث بهذا الفهم وفي حماس ملحوظ هو الطالب علي كاجيجي، أحد الدارسين في كلية الهندسة.

وقد كانت المدينة بكل طبقاتها تعيش حالة من الاستياء غير العادي جرّاء سقوط الطائرة الليبية في صحراء سيناء ووفاة ركابها جميعًا وخروج بنغازي في مظاهرات غير مسبوقة مستنكرة بصوت واحد ذلك الحادث؛ هاتفةً بسقوط العهد الجديد وما كان يبشر به من التوجهات، مما أدى إلى افتعال احتفالات المولد النبوي الشريف وإلقاء خطاب زوارة ونقاطه الخمس المتضمنة إلغاء القوانين والقبض على ذلك التجمع النوعي من المثقفين والنقابيين والطلاب الناشطين من كل المستويات والاتجاهات؛ لألتقي بالسجن المركزي بالطالب علي كاجيجي محسوبًا على فصيل التحرير الإسلامي ممن لا ينكر الموصوفون به آراءهم ويرفضون التخلّي عنها مهما اشتدت الضغوط المتمثلة في التعذيب والحجز الانفرادي الذي ضرب فيه الفقيد أعظم الأمثلة طوال سجنه الذي جعله يكاد يكون أقدم سجناء الرأي في العالم، ليخرج حين شاءت الأقدار أن يخرج، ويبني البيت حسب المستطاع وينجب الذرية التي أنعَمَ ربُّ النِّعَمِ.

ويزول العهد الذي أذاقه ما أذاقه، فلم يُنسَب إليه أي تصريح شامت أو لقاء مُفاخر إلى أن داهمه المرض في السنوات الأخيرة فلم يزده إلا الصبر والاحتساب والترفع عن رد الإساءة أو الثأر للذات، كأنما يريد أن يقول دائمًا ما كنا نسمع من أحب أبناء العم إلى أبيه (أبوالبشر/ بشير كاجيجي) «كُلُّو من عندو» وهو يتحدث بلهجته الخاصة وروحه المميزة. فالرحمة للفقيد العزيز والوالدين الكريمين والجدّين المجاهدَين، وأخلص العزاء لكل من يمت لفقيدنا بصلة وللفصيل التحريري الذين لم نعرف عنهم سوى الترفع عن الصغائر وحب رفاق المحنة بلا استثناء وأخيرًا رحم الله علي كاجيجي.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»