Atwasat

أرسان الحكمة والمعرفة الماتعة (1-2)

فرج الترهوني الثلاثاء 26 نوفمبر 2024, 03:01 مساء
فرج الترهوني

بعد أن سنحت لي الفرصة أخيراً، وبدأت في قراءة سيرة نجيب الحصادي المعنونة بـ«أرسانُ الروح»، وقعت تحت وابلٍ من تقريع الذات، لِما رأيته إهمالاً مني في التعامل مع أولويات القراءة، فالكتاب بحوزتي منذ أشهر، وسبب التأجيل، كما كنت أقنع نفسي، هو إيجاد الوقت والمناخ المناسبين لقراءة نجيب التي تتطلب، كما يعرف غيري، انتباهاً وتركيزاً عاليين لزوم الفهم والاستفادة، واكتشاف لذة العبارة وفرادتها.

ففي تقديمه للسيرة، يقول محمد المفتي إن نجيب يميل إلى نحت مفردات وصفها بالغامضة، مع أن الأخير يدافع عن نهجه ويعترف ـ في غير ما خجل ـ كما حذر في كتابه «آفاق المحتمل» بأنه عادة ما يقع في غرام اللفظة على حساب وضوح الفكرة، و(بأنه على استعداد تام للتضحية بالفهم إذا كان مطلبه قدراً من الإيضاح يتخذ من الكلمات الشائعة سبيلاً للإفصاح!)

أما سبب لوم الذات فهو اكتشافي من الصفحات العشر الأولى ما تحويه السيرة من دررٍ عديدة من عوالم المنطق والحكمة والمعرفة الماتعة، واستحضار صاحبها خلفيته الثقافية والمعرفية لطرح قضايا لا تتعلق بالفلسفة فحسب، وهو أحد ألمع فرسانها، وإنما تتطرق أيضاً، في سرد ممتعٍ لا يمل، لقضايا عديدة تهم الوطن والإنسان، وتسرد بتفاصيل شائقة رحلته المثيرة في الحياة، منبهاً أبداً إلى ما رآه من عقباتٍ في سبيل رفعة الوطن وتقدمه، وساعياً لاقتراح الحلول في مجالات شتى، وتحديداً في سير العملية التعليمية التي يبحثها من خلال خبرته الاستثنائية في الداخل وفي الخارج، حيث شغل منصب رئيس قسم الفلسفة في جامعة العين بالإمارات لسنين سبع.

هنا قد يبرز سؤال على الهامش، وهو: لماذا يفتتن البعض بقراءة سيرِ المشاهير والبارزين؟ بل ربما ينبغي التساؤل: لماذا يقوم هؤلاء بنشر سيرهم وسرد تفاصيل حيواتهم الخاصة على الملأ؟

في المسألة الأولى نتفق غالباً أننا كبشر لدينا فضول هائل لمعرفة سيرة البارزين والمشاهير من حولنا، وما يجرى لهم في حياتهم، وربما من خلال هذه السير نتعرف إلى محطات وحادثات مهمة أو مثيرة يتطرقون إليها في سردهم، فالفضول طبيعة بشرية في النهاية. وفي الصفحة الأولى من السيرة يجيب الحصادي عن هذا السؤال، فلا ينفي عن نفسه الميول والأهواء، ولا يقطع بتحري الموضوعية، حيث يُقر بأن من تحدثه نفسه بالحديث عن نفسه عرضة أكثر من غيره للوقوع في أشراك النرجسية، لكن حين تكون تلك السرديات السيروية مصاغة بشكل أدبي مناسب تصبح عملاً فنياً بديعاً يرغب في قراءته عامة الناس، بمن فيهم من لا تستهويهم في العادة قراءة الأدب.

وربما يتعين أيضاً الاتفاق معه في أن التوازن في هذا الشأن أشبه بخوض مغامرة، أي أن كتابة السيرة الذاتية، حتى لو كانت منتقاة ومهذبة، إلا أنها أشبه بالاعترافات. والاعترافات في عوالمنا الشرقية مسألة ليست محبَّذة، ولا يمكن استيعاب مقاصدها أو حتى كِيل المديح لها، فغالباً ما تكون لدى كاتب السيرة حسابات ما تحد من صراحته، ومن البوح ببعض الأسرار، حيث يبقى السؤال، وهو: إلى أي حد يمكن لسارد السيرة التغاضي عن تشريح أفراد أسرته وأقاربه ومعارفه إن كتب شيئاً قد يثير حفيظتهم أو قد لا يحظى بموافقتهم؟ كذلك إلى أي حد يمكن للمجتمع أن يفهم هذا النوع من الكتابة، ولا يعتبره رغبة في الشهرة ونشر غسيل، كما قد تذهب التسمية، أو حتى إثارة الفضائح؟ وهل ستظل سيرة مثل «الخبز الحافي» لمحمد شكري تثير الاستهجان نفسه لو صدرت في وقتنا الراهن؟

وعلى الرغم من أهمية فن كتابة السيرة الذاتية، فإنه يُعتبر فناً متأخراً نسبياً عند العرب، فنادراً ما نجد كتاباً في السيرة الذاتية يحقق الشروط الإبداعية المطلوبة في هذا النوع من الكتابة، وأهم تلك الشروط التزام الصراحة المطلقة، وهذا ما جعل الكثيرين من العرب يعزفون عن كتابة سيرهم الذاتية، أو أنهم يختارون كتابة أجزاء محددة منها، هرباً من بعض المناطق المظلمة أو حتى الرمادية التي يشعرون بالحرج من عرضها أمام القراء. ففي حوصلة منتقاة وموجزة للسير العربية، نذكر كتاب «الأيام» لطه حسين، الذي ربما اعتُبر أول كتاب في السيرة الذاتية الحديثة.

وهناك كتاب «رحلة جبلية - رحلة صعبة» لفدوى طوقان وهو سيرة الشاعرة الفلسطينية، الذي أتبعته بجزء ثانٍ هو «الرحلة الأصعب»، وفيهما تخلت الكاتبة قليلا عن حذرها، لتذكر بعض تجاربها العاطفية من دون إفصاح كلّي. ورأى النقاد في الكتاب وثيقة تاريخية مهمة لحياة جيل كامل من الفلسطينيات في ذلك الزمن، واعتُبر من أهم كتب السيرة الذاتية للنساء العربيات اللائي نادراً ما ينشرن مذكراتهن وسيرهن، لاعتبارات اجتماعية صارمة.

وهناك أيضاً «الجمر والرماد» للأكاديمي الفلسطيني هشام شرابي، الذي يروي فيه حكاية جيل كامل من خلال حكايته الشخصية. وقد تميزت تلك السيرة بصراحتها المطلقة، ودرجة عالية من الإمتاع لكثيرين، وهو ما جعلها، حسب النقاد، أحد أهم كتب السيرة الذاتية في المكتبة العربية.

وربما من أشهر كتب السيرة «الخبز الحافي» لمحمد شكري، وهي الرواية التي أثارت جدلا ومُنعت في معظم البلدان العربية، ويعود سبب المنع لما حوته من مفردات صريحة، وُصِفت بـ«الإباحية»، والمشاهد الجريئة التي صوّر فيها شكري سيرته على هيئة رواية جميلة، حيث يروي بها كيف انتقل بسرديته من البؤس والجهل إلى الحرية من خلال الإبداع. وشخصيّا رأيتُ في سيرة الكاتب والمترجم الكبير محمد عناني «واحات العمر وواحات الغربة» الكثير من المعرفة والمتعة اللتين تقدمهما للقارئ، وقد يكون ذلك لعلاقتي بعملية الترجمة.

الأمثلة كثيرة على كتابات السيرة، فعلى المستوى المحلي مثلا هناك «سيرة بنغازي» لأحمد الفيتوري التي يخلط فيها ببراعة بين الشخصي والعام، والأمر نفسه حققه يوسف الشريف في «الأيام الجنوبية»، وأمين مازن في «مسارب»، التي أشار إلى أنها رواية تسجيلية لما عاصره من مواقف وحادثات ضمّنها رؤاه الوطنية والشخصية بالحياة في قالب روائي مثير. ويرى الناقد أحمد الفيتوري أن سيرة الأديب علي فهمي خشيم هي أكثر صدقية وإفصاحاً عن الأمور الشخصية وارتباطها بالعام.

وفي المحصلة، أن تكتب سيرتك الذاتية، كتدوين أو شهادة، فذلك أقرب إلى المذكرات، ولكن أن تكون السيرة بصيغة أدبية ماتعة، فتلك مسألة أخرى.

وفي إجابة لسؤال البداية حول لماذا يكتبون سيرهم الذاتية وينشرون حكاياتهم وأسرارهم؟ فقد قال الحصادي بصريح العبارة: «ما كان للمرء أن تراوده نفسه بكتابة سيرته لولاء إحساس يخامره لدنوّ الأجل»، ويرى البعض أن السيرة الذاتية أصبحت عنصراً مهماً من عناصر نشر المعرفة، ونقل العِبر والتجارب إلى المريدين، وهذا ما تحققه إلى حدّ كبير سيرة الحصادي.

مع ذلك، فالبعض يرى في عموم السير الشرقية أنها لا تنفصل عن قصدٍ من الكاتب، أي ما يتعلق بصناعة النموذج المثالي الذي يمثل الإنسان القدوة، وهذا كما يرى بعض النقاد ما أثّر عميقًا على بنية السيرة العربية تحديداً، أي ما جعلها محض سيرٍ احتفالية تتقصد بناء صورة نقية ومثالية عن شخصية كاتبها، وهذا الوصف الأخير قد لا ينطبق تماماً على سيرة نجيب الحصادي، المعنونة بـ«أرسان الروح»، التي جاءت في 370 صفحة غنية وزاخرة بالمعرفة الحقيقية والفائدة والمتعة، والكثير من البوح.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»