لم يستطع الإنسان السيطرة على نمط إنتاجه في جميع أنماط الإنتاج التي خضعت لها ليبيا. في هذه البيئة الفقيرة على الإنسان التكيُّف مع شروطها وليس تغييرها. في نمط الإنتاج البدوي على الإنسان تكرار ما فعله جده الأول، وأي اجتهاد آخر هو مخاطرة جسيمة العواقب، وحتى يتمكن من ذلك يبني منظومة من القيم تحرس وصايا الأسلاف، على رأسها الخضوع الكامل لقدره، وهو ما نلاحظه في منظومة الأمثال والقصائد والحكم، فالإنسان مسيَّر وليس مخيراً، وكلام الأسلاف يتحول إلى سياج شوكي من الحكمة «كلام الناس الأولى زرب»، وكل ما حدث ويحدث مكتوب منذ الأزل ولا جدوى من تغييره، ولهذا لم يتغير نمط الإنتاج البدوي منذ عشرة آلاف سنة إلا في القرن الأخير، وحتى عندما تغيرت الظروف المادية ظلت الذهنية وطريقة التفكير ثابتة، وهو ما عبر عنه بامتياز الشاعر عبد المطلب الجماعي في القرن التاسع عشر، «أرحم بوي خلاني هواوي كيف النجم في قلب السماء، لا لي غرس منبوته سناوي ولا زيتون معصاره زوي، ولاني من قصيرين الخطاوي، ولاني من حماميل الصغاء، ولاني من عديمين الفتاوى نصلي بالتراب حذاء الماء، كيف البوم يبقوا في الخلاوي نين يموتوا تحت الغطاء، وحتى الصقر ركاز العلاوي إن جاه الضيم من وكره جلا، ونا هو الطير الأربد بو جلاوي عندي البعد والداني سوا».
يعتقد البدوي أنه إنسان حر ولكنه عبد لأسلافه بالكامل، وحتى عندما يظهر الشيم التي يعتز بها، مثل المروءة والكرم والشهامة يظهرها بعد أن يغزو وينهب، وهو يحتقر أي شكل من الاستقرار لأن ذلك يقضي على نمط إنتاجه، ومع ذلك استقرت القبائل البدوية شرق ليبيا في الجبل الأخضر، منذ وصول قبائل بني سليم إلى هناك دون أن تغير نمط إنتاجها. تبلغ مساحة الجبل الأخضر 7800 كلم مربع، وهو أخصب منطقة في ليبيا من حيث نوعية التربة ومعدلات المطر، ومع ذلك كانت ليبيا تستورد التفاح من لبنان الذي تزيد مساحته قليلا عن هذه المساحة، أي أن طريقة التفكير البدوية جعلت هذا الجبل مجرد مرعى، وخلال زياراتي للجبل الأخضر عثرت على أشجار زيتون عملاقة معمرة ولكنها برية غير مثمرة، مما يعني أن الزراعة كانت نشاط السكان قبل أن تسيطر عليه قبائل السعادي، ولفترة طويلة ظلت ملكية الأرض ملكية قبلية ولم تتحول إلى ملكية عقارية، وهو ما منع من استغلالها الاستغلال الأمثل.
في نمط الإنتاج الذي يزاوج بين الزراعة البعلية وتربية الماشية، وعلى أطرافه تتواجد القبائل التي تخصصت في تربية الإبل، تسود نفس الذهنية في نمط الإنتاج البدوي، فعلى الرغم من أن الإنسان مزارع ومستقر؛ إلا أنه يعتمد بالكامل على المطر فإذا لم تمطر يصلي صلاة الاستسقاء ثم يفكر في بيع ماشيته.
عندما يرى البرق من بعيد يحمل أحمال الشعير ومحراثه على دوابه ويتجه إلى الأراضي القبلية، فهو لا يملك إلا قطع الأراضي الصغيرة التي ورثها حول قريته، أما الوديان البعيدة فهي ملكية قبلية. عندما يجتمع من يحضر من القبيلة يبدأون حرث الأرض، وهم على استعداد للقتال إذا استدعى الأمر ذلك، خوفاً من أن تعتدي القبائل الأخرى على حصتهم، وبعد الحرث يعودون إلى قراهم وينتظرون سقوط المزيد من المطر، فمطر الخريف مجرد بشارة وليس مضموناً، وقد يخسر كل الشعير الذي نثره في تلك البراري، أما إذا أمطرت في الشتاء والربيع فالعام سيكون صابة، ولكنه عام يتكرر مرة كل خمسة أعوام، أي أنه سينفق كل ما راكمه في عام الصابة، ويبدأ مرة أخرى تقريباً من الصفر، وهذه الدورة تجعله مثل البدوي في قيمه وأخلاقه، فكل شيء مكتوب على الجبين.
في واحات فزان حيث الماء وفير ليسقي غابات النخيل نجد نفس نظام القيم. عاش شاعر فزان الكبير إمحمد قنانة الزيداني في واحة الزيغن، وعاصر حكم يوسف باشا القرهمانللي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وثمة روايات مختلفة عن سبب مغادرته لليبيا، فمنها ما يؤكد أن عبد الجليل سيف النصر أجبره على المغادرة، ومنها ما تربط بين فقره ورفض ابنة عمه الزواج منه، فغادر البلاد إلى السودان عندما كان اسم السودان يطلق على كل المنطقة جنوب ليبيا والجزائر ليحسن من وضعه المادي، ثم عاد ليتزوجها وقد وجدها تزوجت وتطلقت، ويطلقها قبل أن يدخل عليها، بعد أن يسمعها تقول «ما نيش صيدتك ولانك طيري يلاقيك مكتوبك وتلقى غيري، مانك جلوة ولانك الطير المرتكز ع العلوة، وحق النبي وزيارته والخلوة، جادور كيفك ما يذوق شعيري»، وفي ليلة الدخلة يدخل عليها ليقول «يحرم علي جلاسك ويحرم علي مرقدك وفراشك، وهذا الجمل لمي عليه قشاشك وهذي الطريق وين تبي سيري».
يبدو أن الخيال الشعبي ضخم من هذه القصة، فلا ندري كم سنة بقي قنانة في المهجر، ولكن قصيدته التي تعكس نظام القيم في نمط الإنتاج الذي خضع له، هي قصيدة «تركناه حب الوطن نمشوا منه، بلا مال لا هو فرض لا هو سنة، تركناه للفلاحة وتركناه للي طالبين الراحة، وقولوا لبوسالف كما الدرجاحة، بلا مال حتى ريادنا عافنه».
على الرغم من اختلاف نمطي الإنتاج بين عبد المطلب الجماعي البدوي القح، الذي يصف نفسه بـ«الطير لاربد بو جلاوي عندي البعد والداني سوا»، وبين إمحمد قنانة المستقر في واحة وفيرة المياه والذي يجبر على مغادرة وطنه، إلا أنهما يعكسان نفس نظام القيم والذهنية، فقنانة يحتقر الفلاح الذي مهما حدث له يبقى في مكانه «تركناه للفلاحة وتركناه للي طالبين الراحة»، وعلى الرغم من صفة التسامح الأبرز في الشخصية الفزانية، إلا أنه ينتقم من حبيبته بعد أن يتزوجها انتقاماً يعكس المكانة الدونية للمرأة في كل أنماط الإنتاج في ليبيا.
في مثل هذا النظام المغلق المعتمد على الاقتصاد الاكتفائي، يسود الفقه الأصولي بغض النظر عن المذاهب، فالمذهب المالكي الأوسع انتشاراً لا يختلف كثيراً عن المذهب الإباضي المنتشر في قرى البربر، وحتى المذهب الحنفي الذي يعتمد على الرأي والقياس والذي جاء مع الأتراك ليتحول في ليبيا إلى مذهب أقرب إلى المالكي، كما تنتشر في هذا النظام عادة تقديس الأولياء الصالحين بغض النظر عن نمط الإنتاج، فعندما لا تسقط الأمطار ويجف الضرع والشجر، لا بد من إيجاد وسيط بين الله والإنسان، ويصبح الإبداع بدعة وضلالاً وخروجاً عن الصراط المستقيم الذي شقه الأسلاف، ولا يمكن كسر هذه الدائرة المغلقة إلا من خارجها ومن خلال المدينة وليس القرية أو البادية، لذلك تقول الشاعرة المجهولة «ناديت يا حمد هوه فات الدكاكين غادي، واللي ضاق خبز المدينة ما عاد يلفا بوادي».
في هذا النظام المغلق يتحول الشخص الاستثنائي الذي ثار على وضعه المادي إلى ولي صالح، وهذا ما حدث مع إمحمد قنانة فبعد وفاته دفن في ضريح في الزيغن وسمي سيدي قنانة، على الرغم من أن لا كرامات ارتبطت به باستثناء شعره الذي عاش أطول من عمره، ويمكن اعتبار هذا الشاعر امرئ القيس الشعر الشعبي الليبي، فبعد 15 قرناً من امرئ القيس يخرج امرؤ قيس آخر باللهجة الشعبية، مما يؤكد أن هذا النظام مغلق بالكامل ويكرر نفسه في كل العصور.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات