Atwasat

تريَّث يا سيادة وزير الداخلية

جمعة بوكليب الأربعاء 13 نوفمبر 2024, 02:51 مساء
جمعة بوكليب

الارتجالية‭ ‬تصرفٌ‭ ‬شخصي‭ ‬مزاجي،‭ ‬لا‭ ‬يخضع‭ ‬لمنطق‭ ‬ولا‭ ‬يحتكم‭ ‬لعقل‭. ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يراعي‭ ‬أحكام‭ ‬القوانين‭ ‬السارية،‭ ‬بل‭ ‬يضرب‭ ‬بها‭ ‬عرض‭ ‬الحائط،‭ ‬كما‭ ‬يقولون‭. ‬الارتجالية‭ ‬المزاجية‭ ‬تلك‭ ‬ليست‭ ‬جديدة،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬سائدة،‭ ‬منذ‭ ‬أيام‭ ‬الخليفة‭ ‬الفاطمي‭ ‬الحاكم‭ ‬بأمر‭ ‬الله،‭ ‬الذي‭ ‬تقول‭ ‬كتب‭ ‬التاريخ‭ ‬إنه‭ ‬منع‭ ‬المصريين‭ ‬من‭ ‬أكل‭ ‬الملوخية،‭ ‬وحرّم‭ ‬على‭ ‬النساء‭ ‬الخروج‭ ‬إلى‭ ‬الشارع‭!‬

ولعل‭ ‬أفضل‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬ما‭ ‬ظهر‭ ‬به‭ ‬علينا‭ ‬سيادة‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬طرابلس‭ ‬مؤخرًا،‭ ‬في‭ ‬اجتماع‭ ‬مع‭ ‬مسؤولين،‭ ‬قيل‭ ‬إنه‭ ‬يتعلق‭ ‬بعملية‭ ‬تنظيم‭ ‬توزيع‭ ‬الوقود‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬سيادة‭ ‬الوزير‭ ‬نسي‭ ‬السبب‭ ‬وراء‭ ‬الاجتماع‭ ‬أو‭ ‬تجاهله،‭ ‬وانعطف‭ ‬في‭ ‬حديثه‭ ‬فجأة‭ ‬إلى‭ ‬انتقاد‭ ‬أمور‭ ‬وظواهر‭ ‬اجتماعية،‭ ‬وصفها‭ ‬بأنها‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬أعرافنا‭ ‬وتقاليدنا‭. ‬اللافت‭ ‬للاهتمام‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الظواهر‭ ‬المذكورة‭ ‬لا‭ ‬تخالف‭ ‬القوانين‭ ‬سارية‭ ‬المفعول‭. ‬وعبّر‭ ‬الوزير‭ ‬عن‭ ‬رأيه‭ ‬بلغة‭ ‬وأسلوب‭ ‬لا‭ ‬يليقان‭ ‬بسيادته‭ ‬شخصيًا،‭ ‬ولا‭ ‬بمنصبه،‭ ‬ولا‭ ‬بالحكومة‭ ‬التي‭ ‬يمثلها‭.‬

واجبات‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬معروفة‭. ‬فهي‭ ‬وزارة‭ ‬تنفيذية‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬مهامها‭ ‬التشريع‭. ‬وتنحصر‭ ‬واجباتها‭ ‬في‭ ‬حفظ‭ ‬الأمن‭ ‬وتوفير‭ ‬الأمان‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬مهام‭ ‬أي‭ ‬وزير‭ ‬داخلية‭ ‬فرض‭ ‬مزاجه‭ ‬الشخصي‭ ‬في‭ ‬اللباس‭ ‬وتسريحة‭ ‬الشعر‭ ‬مثلًا‭ ‬على‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬المواطنين،‭ ‬في‭ ‬مخالفة‭ ‬صريحة‭ ‬للقوانين‭ ‬التي‭ ‬أوكل‭ ‬إليه‭ ‬مهمة‭ ‬تنفيذها‭.‬

وظيفته‭ ‬الأساسية‭ ‬هي‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬الأمن‭ ‬والأمان‭ ‬للناس‭ ‬على‭ ‬حياتهم‭ ‬وممتلكاتهم‭ ‬من‭ ‬اللصوص‭ ‬والقتلة‭ ‬والمجرمين،‭ ‬وحماية‭ ‬الحدود‭ ‬من‭ ‬المهربين،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬إشاعة‭ ‬الطمأنينة‭ ‬في‭ ‬النفوس‭. ‬ولا‭ ‬سلطة‭ ‬لوزارته‭ ‬وأجهزتها‭ ‬الأمنية‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يخالف‭ ‬القانون‭. ‬وإلى‭ ‬هذه‭ ‬الساعة،‭ ‬لا‭ ‬علم‭ ‬لنا‭ ‬بقانون‭ ‬ليبي،‭ ‬ساري‭ ‬المفعول،‭ ‬منذ‭ ‬استقلال‭ ‬ليبيا‭ ‬عام‭ ‬1951،‭ ‬يمنع‭ ‬اجتماع‭ ‬رجل‭ ‬وامرأة‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬عام،‭ ‬أو‭ ‬يمنع‭ ‬على‭ ‬حلاقين‭ ‬قصّ‭ ‬تسريحات‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬الشعر‭.‬

السيد‭ ‬الوزير،‭ ‬سامحه‭ ‬الله،‭ ‬تجاوز‭ ‬حدوده‭ ‬وصلاحياته،‭ ‬ولا‭ ‬ندري‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬تم‭ ‬بعلم‭ ‬وباتفاق‭ ‬مع‭ ‬السيد‭ ‬رئيس‭ ‬حكومة‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬أو‭ ‬بمبادرة‭ ‬منه‭ ‬شخصيًا،‭ ‬واختار‭ ‬عمدًا‭ ‬أن‭ ‬يخالف‭ ‬القانون‭. ‬وكأنه‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يحاضر‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬الأدب‭ ‬والاحترام‭ ‬وحسن‭ ‬السلوك،‭ ‬لأن‭ ‬السائد‭ ‬حاليًا‭ ‬لا‭ ‬يعجبه‭. ‬أو‭ ‬لأنه،‭ ‬حسب‭ ‬قوله،‭ ‬لا‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬تقاليدنا‭ ‬وأعرافنا‭. ‬ونسي‭ ‬سيادته‭ ‬أن‭ ‬مخالفة‭ ‬الأعراف‭ ‬والتقاليد‭ ‬لا‭ ‬تقع‭ ‬تحت‭ ‬تصنيف‭ ‬مخالفة‭ ‬القانون‭. ‬التقاليد‭ ‬والأعراف‭ ‬شيء‭ ‬والقوانين‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭.‬

بدلًا‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬والاهتمام‭ ‬بتقوية‭ ‬جهاز‭ ‬الشرطة‭ ‬والأمن‭ ‬لمحاربة‭ ‬الجريمة‭ ‬والقبض‭ ‬على‭ ‬المجرمين‭ ‬والقتلة‭ ‬ومهربي‭ ‬الوقود‭ ‬والمخدرات‭ ‬والبشر‭ ‬والعُملة‭ ‬والذهب‭ ‬والسلع‭ ‬المدعومة،‭ ‬قرر‭ ‬سيادته‭ ‬تحويل‭ ‬جهاز‭ ‬الشرطة‭ ‬إلى‭ ‬شرطة‭ ‬آداب‭. ‬وهو‭ ‬دور‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬موكلًا‭ ‬إلى‭ ‬الشرطة،‭ ‬وألغاه‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬بسبب‭ ‬الكوارث‭ ‬التي‭ ‬أحدثها،‭ ‬والمصائب‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬سببها‭ ‬للمواطنين‭. ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬الأمر‭ ‬بالأزواج‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬مصحوبين‭ ‬بعقود‭ ‬الزواج‭ ‬لدى‭ ‬خروجهم‭ ‬من‭ ‬البيوت،‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬بهم‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬الاعتقال‭ ‬والسجن‭.‬

يا‭ ‬سيادة‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬نحن‭ ‬مواطني‭ ‬هذه‭ ‬الرقعة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬أشد‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الشعور‭ ‬بالأمن‭ ‬والأمان‭ ‬في‭ ‬بلادنا‭. ‬أما‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بسلوك‭ ‬أولادنا‭ ‬وبناتنا‭ ‬ولباسهم‭ ‬وتسريحات‭ ‬شعر‭ ‬رؤوسهم‭ ‬فهذا‭ ‬يقع‭ ‬داخل‭ ‬دائرة،‭ ‬تقع‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬اختصاصاتكم،‭ ‬وتسمى‭ ‬الحريات‭ ‬الشخصية‭ ‬المضمونة‭ ‬للمواطنين‭ ‬بقوة‭ ‬القانون‭ ‬وبالإعلان‭ ‬الدستوري‭. ‬ومن‭ ‬واجبات‭ ‬وزارة‭ ‬الداخلية‭ ‬والحكومة‭ ‬حمايتها‭ ‬وليس‭ ‬الاعتداء‭ ‬عليها‭. ‬ولو‭ ‬تريثتم،‭ ‬وبادرتم‭ ‬باستشارة‭ ‬فريقكم‭ ‬القانوني‭ ‬في‭ ‬الوزارة،‭ ‬قبل‭ ‬الإقدام‭ ‬على‭ ‬تصريحاتكم،‭ ‬لما‭ ‬توانوا‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬النصيحة‭ ‬القانونية‭.‬

حين‭ ‬كان‭ ‬يقود‭ ‬المعارضة،‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬الحكم،‭ ‬قام‭ ‬رئيس‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬ورئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬الحالية‭ ‬السير‭ ‬كير‭ ‬ستارمر،‭ ‬بخطوة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭. ‬فقد‭ ‬اكتشف‭ ‬أن‭ ‬وزراء‭ ‬حكومة‭ ‬الظل‭ ‬التي‭ ‬يترأسها‭ ‬وقتذاك،‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬لهم‭ ‬تولي‭ ‬مناصب‭ ‬وزارية‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬ولا‭ ‬يمتلكون‭ ‬خبرة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الوزارات‭. ‬لذلك،‭ ‬وفي‭ ‬سبيل‭ ‬إعدادهم‭ ‬للمستقبل‭ ‬القريب،‭ ‬قام‭ ‬بتكليف‭ ‬فريق‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬والاختصاصين‭ ‬بعمل‭ ‬دورات‭ ‬مكثفة‭ ‬لهم،‭ ‬ليكونوا‭ ‬على‭ ‬بينة‭ ‬وعلم‭ ‬بالمرافق‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬ستسند‭ ‬إليهم‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬لدى‭ ‬وصولهم‭ ‬للحكم‭ ‬واستيعاب‭ ‬آلياتها‭ ‬المعقدة،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتوهوا‭ ‬في‭ ‬الطرق،‭ ‬ويقعوا‭ ‬في‭ ‬المحاذير‭.‬

يا‭ ‬سيادة‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬طرابلس،‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الليبيين‭ ‬أن‭ ‬يعيشوا‭ ‬حيواتهم‭ ‬في‭ ‬بلادهم‭ ‬أحرارًا،‭ ‬ويتمتعوا‭ ‬بالحريات‭ ‬التي‭ ‬منحها‭ ‬لهم‭ ‬الإعلان‭ ‬الدستوري‭ ‬والقوانين‭. ‬وليس‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬شؤونهم‭ ‬الشخصية،‭ ‬وماذا‭ ‬يلبسون‭ ‬ويأكلون،‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬خالفوا‭ ‬القوانين‭ ‬السارية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬واستحقوا‭ ‬العقاب‭.‬

لذلك،‭ ‬نأمل‭ ‬من‭ ‬سيادتكم‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الأمر‭ ‬بجدية‭. ‬ومن‭ ‬حقكم،‭ ‬إن‭ ‬شئتم،‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬موقفكم‭ ‬المخالف‭ ‬للقوانين‭ ‬والإعلان‭ ‬الدستوري،‭ ‬فلن‭ ‬تكونوا‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭ ‬ولا‭ ‬آخرهم‭. ‬ولا‭ ‬تنسوا‭ ‬أن‭ ‬العبرة‭ ‬بالخواتيم‭.‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»