الارتجالية تصرفٌ شخصي مزاجي، لا يخضع لمنطق ولا يحتكم لعقل. والأهم من ذلك، أنه لا يراعي أحكام القوانين السارية، بل يضرب بها عرض الحائط، كما يقولون. الارتجالية المزاجية تلك ليست جديدة، وما زالت سائدة، منذ أيام الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، الذي تقول كتب التاريخ إنه منع المصريين من أكل الملوخية، وحرّم على النساء الخروج إلى الشارع!
ولعل أفضل دليل على ذلك، ما ظهر به علينا سيادة وزير الداخلية في حكومة طرابلس مؤخرًا، في اجتماع مع مسؤولين، قيل إنه يتعلق بعملية تنظيم توزيع الوقود في البلاد. سيادة الوزير نسي السبب وراء الاجتماع أو تجاهله، وانعطف في حديثه فجأة إلى انتقاد أمور وظواهر اجتماعية، وصفها بأنها تتعارض مع أعرافنا وتقاليدنا. اللافت للاهتمام أن تلك الظواهر المذكورة لا تخالف القوانين سارية المفعول. وعبّر الوزير عن رأيه بلغة وأسلوب لا يليقان بسيادته شخصيًا، ولا بمنصبه، ولا بالحكومة التي يمثلها.
واجبات وزارة الداخلية معروفة. فهي وزارة تنفيذية وليس من مهامها التشريع. وتنحصر واجباتها في حفظ الأمن وتوفير الأمان. وليس من مهام أي وزير داخلية فرض مزاجه الشخصي في اللباس وتسريحة الشعر مثلًا على غيره من المواطنين، في مخالفة صريحة للقوانين التي أوكل إليه مهمة تنفيذها.
وظيفته الأساسية هي العمل على توفير الأمن والأمان للناس على حياتهم وممتلكاتهم من اللصوص والقتلة والمجرمين، وحماية الحدود من المهربين، والعمل على إشاعة الطمأنينة في النفوس. ولا سلطة لوزارته وأجهزتها الأمنية على من لم يخالف القانون. وإلى هذه الساعة، لا علم لنا بقانون ليبي، ساري المفعول، منذ استقلال ليبيا عام 1951، يمنع اجتماع رجل وامرأة في مقهى عام، أو يمنع على حلاقين قصّ تسريحات معينة من الشعر.
السيد الوزير، سامحه الله، تجاوز حدوده وصلاحياته، ولا ندري إن كان ذلك تم بعلم وباتفاق مع السيد رئيس حكومة الوحدة الوطنية، أو بمبادرة منه شخصيًا، واختار عمدًا أن يخالف القانون. وكأنه أراد أن يحاضر لنا عن الأدب والاحترام وحسن السلوك، لأن السائد حاليًا لا يعجبه. أو لأنه، حسب قوله، لا يتماشى مع تقاليدنا وأعرافنا. ونسي سيادته أن مخالفة الأعراف والتقاليد لا تقع تحت تصنيف مخالفة القانون. التقاليد والأعراف شيء والقوانين شيء آخر.
بدلًا من التركيز والاهتمام بتقوية جهاز الشرطة والأمن لمحاربة الجريمة والقبض على المجرمين والقتلة ومهربي الوقود والمخدرات والبشر والعُملة والذهب والسلع المدعومة، قرر سيادته تحويل جهاز الشرطة إلى شرطة آداب. وهو دور كان في الماضي موكلًا إلى الشرطة، وألغاه النظام السابق بسبب الكوارث التي أحدثها، والمصائب الاجتماعية التي سببها للمواطنين. حتى وصل الأمر بالأزواج الحرص على أن يكونوا مصحوبين بعقود الزواج لدى خروجهم من البيوت، كي لا ينتهي بهم الأمر إلى الاعتقال والسجن.
يا سيادة وزير الداخلية نحن مواطني هذه الرقعة من العالم أشد ما نحتاج إلى الشعور بالأمن والأمان في بلادنا. أما فيما يتعلق بسلوك أولادنا وبناتنا ولباسهم وتسريحات شعر رؤوسهم فهذا يقع داخل دائرة، تقع خارج نطاق اختصاصاتكم، وتسمى الحريات الشخصية المضمونة للمواطنين بقوة القانون وبالإعلان الدستوري. ومن واجبات وزارة الداخلية والحكومة حمايتها وليس الاعتداء عليها. ولو تريثتم، وبادرتم باستشارة فريقكم القانوني في الوزارة، قبل الإقدام على تصريحاتكم، لما توانوا عن تقديم النصيحة القانونية.
حين كان يقود المعارضة، أي قبل وصوله إلى الحكم، قام رئيس حزب العمال ورئيس الحكومة البريطانية الحالية السير كير ستارمر، بخطوة غير مسبوقة. فقد اكتشف أن وزراء حكومة الظل التي يترأسها وقتذاك، لم يسبق لهم تولي مناصب وزارية من قبل، ولا يمتلكون خبرة في إدارة الوزارات. لذلك، وفي سبيل إعدادهم للمستقبل القريب، قام بتكليف فريق من الخبراء والاختصاصين بعمل دورات مكثفة لهم، ليكونوا على بينة وعلم بالمرافق والمؤسسات التي ستسند إليهم في المستقبل، لدى وصولهم للحكم واستيعاب آلياتها المعقدة، حتى لا يتوهوا في الطرق، ويقعوا في المحاذير.
يا سيادة وزير الداخلية في حكومة طرابلس، من حق الليبيين أن يعيشوا حيواتهم في بلادهم أحرارًا، ويتمتعوا بالحريات التي منحها لهم الإعلان الدستوري والقوانين. وليس من حق الأجهزة الأمنية التدخل في شؤونهم الشخصية، وماذا يلبسون ويأكلون، إلا إذا خالفوا القوانين السارية في البلاد واستحقوا العقاب.
لذلك، نأمل من سيادتكم إعادة التفكير في الأمر بجدية. ومن حقكم، إن شئتم، الإصرار على موقفكم المخالف للقوانين والإعلان الدستوري، فلن تكونوا أول من فعل ذلك ولا آخرهم. ولا تنسوا أن العبرة بالخواتيم.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات