«تراه على أي نهر مسجى
وفي حلم أية صحراء تراه
كأن به لوثة من حنين
ومساً من العشق
يلقي بجثمانه مثل ذكرى
ويفتح باباً يؤدي إليه
ويقصد كل اتجاه«
طاهر رياض
في نوفمبر. الشهر الحادي عشر. ينحسر الخريف ويرتد بعيداً. ويقبل الشتاء. مواسم الحرث في الأرض. المحاريث تنهض خلفها أغبرة الطين قبل أن يلحقها الماء وينهمر المطر. المحاريث تشق قلب الأرض لتنمو الحياة والخصوبة والاخضرار. شيء يتوالى في وجه الموت.
في نوفمبر تهاجر أسراب البجع وتصفق بأجنحتها وتتطاول برقابها الطويلة وحين تكون مجروحة تقترب كثيراً من الموت. يشتد غناؤها عبر الضفاف بطريقة محزنة. إنها ترثي نفسها في الخريف والشتاء. قصائد تخرج من مناقيرها.. ثم تموت.
الكينونة والصيرورة والحركة والشمس والدنيا تسير في نوفمبر وغير نوفمبر طوال الموسم. طوال العام. طوال الأيام. لكن الوجود يقهره الموت. يظل حقيقة ثابتة وأزلية لا تعرف الهزيمة أو الانكسار. يعتام الجميع ويشيلهم إلى عالم آخر.
وفي نوفمبر مثل هذه الأيام.. في الخامس عشر منه منذ ثلاثين حولاً رحل الصادق النيهوم الذي كان الموت هاجسه. يخافه ويخشاه. وعلى البحيرة القريبة منه تلك اللحظة ظل البجع يحلق ويغني بمرارة. النيهوم منذ صغره كما يروي أصدقاؤه القريبون منه وليس من يدعون معرفته أو صداقته بعد أن توارى عقب غناء البجع في نوفمبر.. كان يشعر بأن الموت بطريقة أو بأخرى يترصده في كل زاوية وركن في بنغازي عبر الظلام. عبر الوحشة في النهارات والليالي. عبر أساطير الجن والغيلان وحكايات الموتى والحزن. في المقاهي وفي الدروب وفوق الأرصفة. كان يدرك بأن ثمة حزناً يدب ويزحف على جدران الزقاق والحي.. ظل يقول: (كان حزننا جزءاً من تاريخ ليبيا). وكان يعيش حياته وحالته إنساناً وفناناً يأكله الحزن على الدوام رغم ساعات البهجة والانطلاق. كان يدرك تماماً أن الحياة قصيرة مهما طالت وأن الموت حقيقة أزلية وثابتة. لكنه يخشاه على الدوام.. في الغربة. في الوطن. عند شواطئ البحار. في بيته البعيد وعبر العودة إلى بطاقات بريد ورسائل أصدقائه الميتين. والخوف طبيعة بشرية يستوي أمامها الناس العاديون والبسطاء والفلاسفة والمفكرون والشعراء والحكماء والمجانين. الحقيقة المجهولة المليئة بالطلاسم والأسرار في العالم كله. ليس ثمة استقرار أو دوام. الكل سيصل الى هناك.. إلى القبور.. إلى الموت.
في نوفمبر رحل النيهوم مواطناً عادياً مثل الآخرين. فيما تمر هذه الأيام الذكرى الثلاثون لهذا الرحيل. لا أحد يكترث بالموت. لا أحد ينتبه. لا أحد يشعر بأن هذا الرحيل يستدعي الاهتمام من المهتمين ممن يشعرون بقيمة النيهوم في ليبيا وخارجها بإيجابياته وعثراته. أقيمت معارض وندوات ومناسبات ومحافل لم تنتبه لذكرى النيهوم وأمثاله إلا في النادر القليل. ذلك الرحيل لا يستدعي المناحات والتأبين لكن يظل يستل من العقول الواعية.. المزيد من الوعي والاختلاف والتأصيل والاهتمام. فأين الحياة من ذلك في مواجهة الموت. وذلك شأن يلحق بالكثير من الرواد والمعالم والمؤسسات على طول تاريخ الأمة المعاصر. بعد أيام تمر المزيد من الذكريات المحزنة.. ستونية السياب. منزل الأقنان وخرائب جيكور عند شط العرب والأمة لاهية لا تتقدم بل تتأخر في انتظار الذي يأتي ولا يأتي. ومثال آخر أربعون سنة ستمر على نبش قبور الجغبوب. وفي العام القادم سبعينية الجامعة الليبية.. أشهر معالم الفكر والحداثة والتطوير والتعليم في بلادنا. إحدى بواكير الجامعات العربية بأسرها في منتصف القرن. وغير ذلك الكثير مما يضرب الجيل عنه صفحاً ويتركه وراء ظهره.
الموت ظل يلاقي النيهوم في غربته وفي وطنه وبعد موته إهمالاً ونظرة متعسفة تمتلئ بكثير من الجحود والاتهامات وقليل من الانصاف والتقدير. حوصر النيهوم في نقاط ضيقة سخيفة. وضعوه فيها وحبسوه فمن الذي يفكه منها بوعي واختلاف. من الذي يخترق خطوط الجبهات. الموت يحيط بالكاتب والفنان والمفكر ورواد كل الأوطان في حياتهم ثم في مماتهم. الموت في الحياة أكثر مرارة. والموت في الموت. إهمال وجحود ونسيان. أمة تغفل عن روادها.. عن رجالها.. فماذا تتوقع أكثر من ذلك؟
في السابع من أكتوبر 1967 كتب النيهوم مقالاً عنوانه «غربة». كان مثل قصيدة شعر. نثر وكلمات نسجتها روح الشعر كعادته: (الليلة في قطرة مطر وصلت رائحة السماوات وانطفأ قنديل القمر وطفق الموت يطاردني على نتيجة الحائط. الليلة قال الموت لي سنضرع السماء في قطرة مطر ونحلب النجوم من قرونها). فيما يشير بأنه ظل يبحث: (عن أمنا الأرض. إنها ليست هنا الأرض التي أبحث عنها ليست هنا ولكن الأرض الحقيقية شيء آخر شيء يملك قلباً وذراعين مثل كل الأمهات الأرض أمي العظيمة التي تتحدث لغتي وتدمن القهوة مثلي وتحلم بالغزلان وزنوج القمر وينشق قلبها عندما أموت والباقي أمهات الآخرين).
وفي مقال قصير نشره في عمود صغير في الخامس عشر من يوليو 1968 ظل يقول عبر السطور: (اللهم لا تدعني أموت قبل أعرف لماذا. حتى ألمس بأطراف أصابعي باب ذلك الكهف المتناهي العمق والظلمة الذي يذهب إليه الأحياء في نهاية المطاف وأعرف لماذا يتعين علي أن أذهب إليه أيضا. اللهم لا تدعني أموت قبل أن أعرف لماذا؟).
الأسئلة الحائرة والموت يترصد بالنيهوم وغيره. الكل ذاهب وسيذهب إلى ذلك الكهف. دون تمييز. الكل رفيع الشأن أو حقيره سيصل على الأكتاف الى هناك. تلك الحقيقة الأزلية الثابتة في وجه الكينونة والصيرورة والدور والتسلسل.
الموتى يعلمون الأحياء. ذلك صحيح وسليم مئة في المئة كما تقول حكمة الطب منذ أزمان الإغريق لكن ثمة حكمة تظل تتراءى عبر الموت والمطر والنسيان وغناء البجع وطين المحاريث والحضارات الشامخة والآفلة حكمة تطلع من وراء ذلك كله.. إنه أيضا ومؤكد على الدوام.. المفكرون وقادة الرأي وصناع المعرفة والاختلاف والعباقرة والمجانين والشعراء والفلاسفة الحقيقيون والحكماء وأصحاب العقول النيرة الساعية للتقدم والصاعدة نحو الشمس وعيون الأطفال والنضالات الطويلة وروعة الكلمة والحروف وسطور الكتب وغير هذا من منارات الهناء في وسط هذا العالم المقفر إلى حد الوحشة. هم أيضاً يعلمون الأحياء الميتين.
والكثير.. الكثير من الحزن فمتى ننهض من موتنا المؤقت. تحية للنيهوم وكل الرواد في ذكراه بلا توقف.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات