وأنا أطالع كتاب المفوض الأممي أدريان بيلت (استقلال ليبيا والأمم المتحدة: حالة تفكيك ممنهج للاستعمار) ترجمة د. زاهي المغيربي، صادفني هذا الجزء المهم المنقول عن محاضر اجتماعات لجنة الستين في نقاشها للدستور مادةً مادةً. وفي المادة المتعلقة بحرية الاعتقاد التي نصها «حرية العقيدة مطلقة. وتحترم الدولة جميع الأديان والمعتقدات، وتكفل لليبيين وللأجانب المقيمين في أراضيها حرية العقيدة والقيام بشعائر الأديان، على ألا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب».
وتعقيبًا على هذه المادة المهمة يجرى حوار ذكي يرصده المؤلف حرفيًا: «تساءل العضو منير برشان عن كيف يمكن فهم الجملة» ولا ينافي الآداب «هل سيحددها القانون؟ إذا كان الأمر كذلك يجب أن نضيف عبارة بهذا المعنى. وقال العضو المحترم خليل القلال إنه من المفهوم أن النظام والآداب العامة أمور معترف بها وتقاليد فعالة، وإنها تقع ضمن سلطة الدولة. ولكن العضو المحترم علي تامر لاحظ أن الآداب العامة هي نظام أخلاقي يتطابق بشكل عام في العالم ومعترف به عمومًا بين الجنس البشري. وقال إن هناك تقاليد خاصة تلتزم بها مدينة وليس أخرى، وهي التي يجب أن يحافظ عليها القانون.
وكرر العضو المحترم منير برشان اقتراحه بأن تضاف الجملة (وفقًا لأحكام القانون) إلى المادة. واعترض العضو المحترم خليل القلال على ذلك، وقال إنه ليس من الممكن صياغة قانون يحدد الآداب والنظام العام لأن نظام الدولة بمجمله هو القانون النافذ. ونهض العضو المحترم عبد المجيد الكعبار وقال إن المادة تبدو سليمة وإنه يأمل أن يوافق عليها الأعضاء. وبالفعل توصل الأعضاء إلى اتفاق بشأنها دون مزيد من التغيير».
تحيلني هذه المقدمة إلى ما ورد في خطاب أو المؤتمر الصحفي لوزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي، وحديثه عن الآداب وشرطة الآداب، وتوجهه خصوصا نحو المرأة الليبية والتهديد باتخاذ إجراءات عقابية صارمة ضدها وضد ما أنجزته من معرفة ومشاركة في الشأن الليبي طيلة عقود، ورغم أنه يتحدث عن الآداب إلا أن كلامه كان في الواقع خاليًا تمامًا من الأدب وهو يتحدث عن المجتمع الليبي كأنه مجتمع داعر أو دون أخلاق، ويُنصّب نفسه وصيًا أخلاقيًا على هذا المجتمع المحافظ بطبعه، وهو يتعدى بهذه التصريحات ــ التي يقولها بنبرة وطريقة تشبه طريقة القذافي في الحديث ــ على كبرياء وكرامة الليبيين الذين عاشوا في ظلها قرونًا طويلة كمجتمع محافظ لا يزايد أحد على تدينه وحشمته وفهمه للدين.
سوف أعلق على ما قيل في هذا المؤتمر لاعتبارات أهمها، أن هذا الرجل يشغل منصبًا حساسًا في ليبيا، وأن ما يقوله يدخل ضمن (الأيديولوجيا) ولا علاقة له بالفقه الديني، وأعتقد أني قادر على مناقشة الأيديولوجيا التي تعني في هذه الحالة الثقافة الوافدة إلى المجتمع والمهددة بتشويه هويته، ولأن ما قاله هو كوكتيل متداخل مما حاولت الثورة الإيرانية تصديره ومن أفكار الجماعات الإرهابية التي حاربها الإجماع الإسلامي في كل مكان مثل القاعدة وداعش وغيرها، وكلها تأتي تحت عنوان التوجه السلفي الذي يرى في العودة إلى الخلف حصنًا آمنًا يقي من خجل عجزنا عن الدخول في هذا العصر بقوة.
من جانب آخر، كل ما قاله السيد وزير الداخلية وهو يرتدي أحدث الأزياء مطابق تمامًا لأيديولوجيا طالبان في أفغانستان وأيديولوجيا تنظيم الدولة الإسلامية، وأسميها أيديولوجيا لأنها تنزع عن الدين روحانيته وجوهره وتضعه في قلب صراعات تتعلق بعلوم أخرى تتغير مع المكان والزمان، كعلوم الاجتماع والاقتصاد والنفس، وغيرها مما تُرك لابتكارات العقل الإنساني الساعي للترقي والتقدم وتهذيب علاقاته.
لن أولي الكثير مما قاله اهتمامًا لأنه سبق وأن قاله (ولاة) جهلة جاءوا من اليمن والعراق وموريتانيا وحكموا درنة وضواحيها ـ حيث أسكن ــ لسنوات تحت مظلة ما يسمى تنظيم الدولة، ولكني سأٌقف عند ذكره لـ«التقاليد والأعراف الليبية» التي نصّب نفسه وصيًا عليها، مع أن كل ما قاله لا يمت بصلة إلى التقاليد ولا الأعراف الليبية، ولا إلى الوسطية التي عاشها الليبيون في ظل مذهبهم الديني ووجدانهم الأخلاقي الذي لا علاقة له بهذه الأيديولوجيا الجامدة التي دفنت في الأرض التي ظهرت بها بعد أن وصلت بها إلى حافة الهاوية فيما يخص التنمية والتعليم والبحث العلمي ومستقبل الدولة، وتحت هيمنة هذا التيار الديني المتشدد الذي لا يمكن أن يعمل إلا في ظل ثروة نفطية أو اقتصاد ريعي، ولأن الخبراء أدركوا أن النفط محدد بزمن قصير سيتحول بعد دخول الطاقات البديلة إلى ما يشبه الفحم الحجري، ما يجعل مشروع تنويع مصادر الدخل هو الوسيلة للبقاء والمنافسة.
وأدركوا أن هذا التيار المعتمدة عقيدته على النفط والاقتصاد الريعي هو الذي يقف حائلًا دون أن تُنوع الدولة مصادر دخلها، وأن تدخل بقوة هذا العصر وتحديات المستقبل، حيث تنويع الدخل يحتاج إلى فتح مصادر أخرى له مثل السياحة وتجارة العبور والاستثمارات وغيرها، وحيث هذه العقيدة تتوجس من كل ذلك وأحيانًا تحرمه.
وزير الداخلية الليبي الذي يتحدث عن الأعراف الليبية التي يبدو أنه لا يعرفها، ولم يعشها، هو من الجيل الذي ولد بعد الثورة الإيرانية الإسلامية ومشروعها لتصدير الثورة عبر التبشير بالمذهب الشيعي الاثنى عشري المنقح بتراث العقيدة المجوسية الفارسي، خصوصًا فيما يتعلق بمسألة المرأة التي كانت تعتبرها المجوسية مسكنًا للشياطين، ولا علاقة للمجتمع الليبي السني بهذه الأيديولوجيا الوافدة التي وصلتنا منذ الثمانينيات عن طريق الأشرطة التسجيلية التي كانت تضخها الثورة الإيرانية إلى العالم الاسلامي، حيث سُميت ثورة الكاسيت.
لقد عشت سنوات من الظلام في ظل حكم القاعدة ثم داعش لدرنة وضواحيها، ورغم ما تعرضت له ليبيا من حقب استعمارية من أجناس وأديان مختلفة لم يسئ أحد لهذا المجتمع مثلما أساءت هذه التنظيمات الإرهابية الذي يتبنى وزير الداخلية عقيدتها وأفكارها حرفيًا، والأمر الخطير أن يكون هذا الشخص على رأس أهم مؤسسة أمنية وأكثرها حساسية وكأنه ينقل أفكاره من المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير داخلية أفغانستان الطالباني بعد سيطرة الحركة على كابول.
لقد بدأت طالبان حين سيطرت على أفغانستان المرة الأولى بتسريب هذه الأفكار نفسها التي قالها وزير الداخلية، ومع الوقت تطور الأمر لتصبح قرارات تتخذها وزارة الداخلية هناك تمنع المرأة من الذهاب إلى المدارس وإلى الوظائف، ولتدفن داخل خيمة كتانية سوداء متنقلة كنوع من الوأد الرمزي للمرأة بدفنها تحت طبقة من القماش الخشن بدل التراب، والأمر لا علاقة له بالدين لكن التاريخ والبحث العلمي النفسي يثبت أن أكثر الملحين على دفن المرأة بهذا الوأد الرمزي لها هم في الواقع أكثرهم هوسًا بالجنس، ولا يجب أن يكون هوسهم الشخصي وراء قرارات خطيرة تمس روح المجتمع وكرامته، كما كانت القوانين والقرارات تصدر خلال أربعة عقود عن هواجس وعُقد نفسية كان يعاني منها رأس النظام السابق.
في برنامج للإذاعية الراحلة، جيزيل خوري، كانت تجري حوارًا مع أحد شيوخ السلفية من سورية، وطيلة المقابلة لم ينظر إليها مطلقًا، فقالت له في نهاية البرنامج أنا لي 40 دقيقة أتحدث معك ولم تلقِ علي نظرة حتى بالصدفة، فقال لها أنا لم أؤمر بتحجيبك ولكني أُمرتُ بغض البصر، فقالت تمنيت لو أنك نظرت إلي كإنسانة متعلمة ومثقفة قادرة على الحوار معك، وألا تسرح خيالاتك وتعتبرني مجرد كائن جنسي لا غير.
لكنه الوسواس المرضي نفسه الذي جعل وزير الداخلية الليبية ووزارة داخليته تهمل الأعمال المهمة المنوطة بها وتذهب إلى وسواس المرأة والخوف من مفاتنها، مثلما فعلت طالبان بعد أن عادت لحكم أفغانستان، وركزت على قمع المرأة، بينما الدولة تفلس، والشعب يموت جوعًا وعائلاته تبيع أبناءها في مزادات من أجل أن تحصل على قوت يومها، لتصبح هذه الأمة ذات التاريخ العظيم بقعة مظلمة ومعزولة في قلب هذا العالم الذي سيحكمه بعد سنوات قليلة ــ شئنا أم أبينا ــ الذكاء الصناعي، ولا عزاء للأغبياء فيه.
وبالعودة إلى الحوار المهم والراقي الذي جرى بين أجداد هذا الوزير أثناء صياغة دستور أول دولة وطنية ليبية، فهم مؤسسو ليبيا المستقلة التي يرأس الآن الوزير المعني وزارتها الداخلية، وهم من يعرفون حقًا التقاليد والأعراف الليبية لأنهم تحدثوا قبل أن تتسلل إلى مجتمعنا هذه الظلاميات التي لا تسيء لمجتمعنا فقط ولكنها تسيء لجوهر ديننا الحنيف الذي انفتح عبر تاريخه المشرف على كل الحضارات وأسهم فيها.
وفي الأحوال جميعها، على هذا الوزير، أو أي سلطة ألا ينسى أنه جاء مثل كل باقي السلطات في ظل إعلان دستوري بعد ثورة شعبية ضد النظام السابق الذي كان وصيًا على تفاصيل حياتنا، بما فيها طريقة لباسنا وأكلنا وحتى طريقة مصافحتنا لبعضنا البعض، بل تدخل حتى في العلاقة الخاصة بين الأزواج في غرف نومهم. وألا ينسى هو أو أي سلطة أن هذه الثورة التي جاءت بهم دفع أجمل الشبان الليبيين من المتعلمين وذوي المستويات العليا أرواحهم ثمنًا لها. ولا خيار لهذا المجتمع العفيف (رغمًا عن الوزير وكلامه المهين) سوى أن يدافع بقوة عن هويته الروحية والوطنية والثقافية التي كان يُشكَّك فيها منذ عقود طويلة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات