.. والمنفى الداخلي جرح عميق. المنفى يكون أحياناً وطناً آخر بأحزانه وأشجانه ومراراته. الليبيون في عهد الطليان جربوا النفي إلى خارج وطنهم. في جزر إيطاليا النائية وسط البحر والموحشة. طيور سوداء تخفق بأجنحتها والمعاناة طالت هناك سنوات. أيام من الرماد والذل. وكثير منهم طواه الموت وسط الصخور وظلت قبورهم مجهولة تماماً. وثمة رسائل تمتلئ بالحنين كانت تطير وترسل فيما سمح به الطليان من إرسال إلى الأهل البعيدين. رسائل موجعة وبكائيات تختفي وراء السطور. وهناك أيضاً باح الشاعر الفضيل الشلماني بشعره عن المنفى وقسوته. نصوص لم تتوقف إلى عودته وصارت ملاحم توثق وتؤرخ لهاتيك الأيام والمنافي. ثم اختار الطليان بعض الأماكن في الداخل منافي للأهل من الداخل. مرادة وبراك وغيرهما كانتا صورة لذلك. يحكي خليفة الفاخري عن مواطن من مرادة أتى إلى بنغازي وقبض عليه الطليان بتهمة ثبتت عليه. وكان الحكم نفيه إلى مرادة. وبذلك كما يقول الفاخري في موسم حكاياته الشهيرة.. أحياناً يكون الوطن منفى والمنفى وطناً وهكذا. الأوطان منافٍ موحشة تغدو في تفاصيل التاريخ وصفحاته المتقلبة أو الثابتة. المنفى سيرة وقصة وعذابات. المنفى سجن ومنفى في اللحظة ذاتها. أمران يتلازمان بوطأة ثقيلة على النفس والروح.
بعض من شباب العائلة التي نفاها الملك تلك الأيام ذاق في صغره مع أهله مأساة النفي الخارجي البعيد في إيطاليا. تعود على التجربة والدروس. تجربة تلد أخرى ودروس تأتي بغيرها. والعنوان واحد. والنفي في مرارته وعذاباته شيء مزعج إلى حد الإيلام الشديد في القلب.. في الحياة ولحظاتها وأيامها. البهجة تختفي. الفرح يخمد. النفس البشرية تتداعى إلى حد الانهيار.
نفي زمن الاحتلال وآخر زمن الاستقلال بجريرة أحد أفراد الأسرة من شبابها الذي دفع إلى ذلك دفعاً في تزاحم الأضداد. وفوارق النفي تختلف بالطبع في كل الصور وبكل المقاييس والاتجاهات. لم يستثن الملك أحداً إلا القلة ليدوم النفي بعض سنوات ثم يتوقف. ولوحظ بوضوح أن ذلك النفي والإبعاد داخل البلاد بحكم ما حدث ودون أن يحكم القضاء أو العدالة ولكنه تم بأوامر ملكية صريحة.. لوحظ أنه شمل مجموعة من فرع المهدي وأخرى من فرع الشريف. ولم ينطبق على أحد من أسرة العابد وهي قسم من فرع الشريف.
وكان من الطبيعي أن تتواصل الرسائل. كانت هي الملاذ الوحيد للتعبير عن الرأي من بعيد والبوح بما تضيق به الصدور. معاناة الإنسان يترجمها الكلام. الحرف لا يركن إلى الصمت. رسائل النفي الداخلي للعائلة لم يفصح عنها أحد في الغالب من قبل. بقيت في خزانة التاريخ وأسراره. وعلى الدوام يكثر الحديث عن معاناة السجن وخواطره وأحزانه. أمر قاس ومؤلم هو أيضاً. جلاد وضحية وجدران وموت في الحياة. ومع ذلك تنهض الكلمة بين الجدران الصلدة.. شعراً ونثراً. رسائل وكتابات. تهرب أو ترسل ويختفي وراء سطورها العديد من المعاني. الرسائل وتجارب السجون خاصة في العالم الثالث وعلى أعوام مديدة ظلت أيضاً هي الأخرى وجهاً من وجوه الإبداع الإنساني رغم لحظات الانكسار والتخاذل. تنهض الرسائل في الأصياف والشتاءات وخلال معاناة الوحدة والبعد.. تنهض بالواجب. وأحيانا القمع في السجون لا يسمح بالبوح أو الكتابة أو حتى الكلام. الجدران تضيق ويكاد الصمت الذي يرين عليها ينطق بالنيابة. ثم تصير التجربة بعد السراح فعلا يتنفس ويتحرك تجاه كل العيون التي تقرأ وتعيش وتستعيد تلك الصور بكل ألوانها. صور تختلف من واحد لآخر لكنها في خاتمة المطاف تشكل ملحمة واحدة وطيفاً واحداً وسيرة إنسانية واحدة على كافة الأصعدة في ذلك العالم الذي يعاني القهر ويرسف في أغلال العذابات. تظل التجربة تغني وتبوح للفصول الأربعة بعد انتهاء (الزوبعة).
والرسائل هنا تحوي ألماً وعتاباً وتأمل أن يفك الحصار عن العائلة في أماكنها التي استقرت بها داخل الوطن بعيداً عن مواقع استقرارها الأصلية. الوطن واحد ولكن الإبعاد حمل في جوفه تصورات أخرى تختلف وتتقاطع وتبتعد. الملك بسبب الحادث صار في عزلة عن أسرته. وهي من جهة موالية ظلت بعيدة عنه وانقطع التواصل أو الترابط بطريقة مؤسفة ولم يعد أيامها مثلما كان في السابق. ستتبدل الأمور لاحقاً وتجري الأنهار في مساربها. وتعود الأواصر الى حد ما بعد أن شفيت الجراح.
رحل أخو الملك وكان ولياً للعهد صيف العام 1955. كان مقر إقامته في طرابلس.. العاصمة الغربية. حزن يضاف إلى أحزان الملك والعائلة التي كانت في حالة انقطاع. وبعد ذلك بأشهر يختار الملك الحسن الرضا ابن الولي الراحل ولياً للعهد وبهذا وعلى ضوء الحادث الذي وقع بالاغتيال وسبب في الشروخ حصر الملك وراثته في فرع المهدي. تغير بناء على هذا نظام البيت المالك بالكامل وألغيت ألقاب النبلاء والأمراء التي منحت لمجموعة من الأسرة وانطبق ذلك أيضاً على سيدات العائلة. كانت الملكة تعرف بحرم الملك أو زوجته ثم صارت ملكة وسيدة أولى في البلاد في مرحلة لاحقة وبعد الحادث بسنوات. تغيرات كان لا بد لها من أن تحصل في واقع الأمر سداً لذرائع كثيرة. الحادث الواحد تنشأ عنه في العموم حوادث أخرى. مستصغر الشرر يتطاير ويلتهب ويلامس كل الأشياء.
وإضافة أخرى تداعت مع الأحداث. زواج الملك من عالية لملوم صيف 1955 لم يدم سوى شهر واحد. وصلت في سفينة فخر البحار وكان يزفها أحد شيوخ آل السعدي المشهورين في مصر ذوي الأصول الليبية وصديق الملك وهو السيد محمد سلطان السعدي. كانت تجمعه قبيلة الفوائد في القرابة مع آل لملوم. الزفاف تم في غريان كما سبقت الإشارة.
أحزان الرسائل مع هذه المجريات كانت تأخذ مجرى آخر. إحداها كانت شكواها ذلك الصيف.. الشهر التاسع 1955 تلوح بقوة.. يقول أحد رجال الأسرة مع إخوته إلى والدهم أيضاً: (نحن نكتب إليكم الآن حتى لا تنسونا نهائياً إذا يظهر أنكم ابتدأتم تنسوا أن لكم أبناء مغربين معذبين نتيجة ظلم وطغيان. نكتب إليكم لنعلمكم أننا في تعب ونصب وأنكم لربما تحسبون أننا منعمون فإننا نعلمكم بأن المعاملة اشتدت علينا والحراسة زادت وأصبحوا يهملون مطالبنا حتى في راحتنا الداخلية من نوم وأكل ويقولون أن الملك أمر وأوصى بذلك بل وأشد من ذلك وإنما هم على زعمهم يساعدون ولكن الحقيقة هم ازدادوا كفراً وشدة وإهمالاً لنا وأصبح كل مسؤول منهم يريد أن يتقرب على حساب عذابنا وإهانتنا ويكتبون تقارير كاذبة ونحن منها براء، والله وحده يعلم وأظن أن مثل هذا الحال لا يرضيكم أبداً ولا يرضي أي ضمير حي حتى تسكتوا نهائياً بهذا الشكل المخيف فالآن وقد مضى عام بأكمله ولا شيء في الأفق يظهر ويبين لنا أن هناك شيئاً من أمل وأظن أن سكوتنا نحن أيضا يعد من الظلم على أنفسنا بأنفسنا فها هو بن حليم قد رجع ولربما جاءكم هناك ببنغازي وعندكم الوالي مازق والملك قريب منكم فأعملوا جهدكم واتصلوا بهؤلاء وافهموا أمر الملك وما يريد بعد ذلك. سننتظر حتى 15 أكتوبر 1955 وبعدها أظن أنكم لا تستطيعون أن تلوموا أحداً منا إذا ما حصل شيء ولعلكم علمتم أن بن حليم منذ مدة أرسل ضابطا الى كل من السيد الرضا والسيد بشير يتحدث معهم ومن ضمن كلامه كان يساومهم على الخروج من ليبيا نهائياً.. وهذا ما نعلمكم به).
وفي صيف 1956. في 30 يوليو: (نعتقد أن الملك كثير من الأوضاع لا يعلمها لأنهم يبلغونه حسب أهوائهم ونحن في انتظار الرد. نحن هنا أمرنا عجيب قسمنا إلى ثلاثة أقسام قسم سافر إليكم ببنغازي وأعفي عنه وقسم وضع في مصراتة وأنا مع آخرين بمنطقة جودة. نحن مثلنا مثل الأسماك في قاع المحيطات ظلام في ظلام لا نعرف من أمرنا شيئاً فليس لنا إلا تفويض الامر الى الله سبحانه وتعالى).
تنقطع الرسائل. تصير تاريخاً. تمثل لوناً من الحزن. يعود المبعدون إلى منازلهم الأولى. وتظل الكلمات وثيقة مهمة لما دار في تلك الديار.
الصيف ثم الأصياف تمر. تسير. تتجمع الأحداث والوقائع بعد الحادث الذي هز كل شيء ثم ترك آثاره وتداعياته المحزنة على كل شيء. يستمر تلاحق المجريات بلا توقف. الحادث ظل أساساً لأزمات مقبلة تحيط بالبلاد وتأسرها بحزام من النار في بعض الأيام.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات