Atwasat

بنغازي والصيف (17)

سالم الكبتي الأربعاء 06 نوفمبر 2024, 12:33 مساء
سالم الكبتي

‭.. ‬والمنفى‭ ‬الداخلي‭ ‬جرح‭ ‬عميق‭. ‬المنفى‭ ‬يكون‭ ‬أحياناً‭ ‬وطناً‭ ‬آخر‭ ‬بأحزانه‭ ‬وأشجانه‭ ‬ومراراته‭. ‬الليبيون‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الطليان‭ ‬جربوا‭ ‬النفي‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬وطنهم‭. ‬في‭ ‬جزر‭ ‬إيطاليا‭ ‬النائية‭ ‬وسط‭ ‬البحر‭ ‬والموحشة‭. ‬طيور‭ ‬سوداء‭ ‬تخفق‭ ‬بأجنحتها‭ ‬والمعاناة‭ ‬طالت‭ ‬هناك‭ ‬سنوات‭. ‬أيام‭ ‬من‭ ‬الرماد‭ ‬والذل‭. ‬وكثير‭ ‬منهم‭ ‬طواه‭ ‬الموت‭ ‬وسط‭ ‬الصخور‭ ‬وظلت‭ ‬قبورهم‭ ‬مجهولة‭ ‬تماماً‭. ‬وثمة‭ ‬رسائل‭ ‬تمتلئ‭ ‬بالحنين‭ ‬كانت‭ ‬تطير‭ ‬وترسل‭ ‬فيما‭ ‬سمح‭ ‬به‭ ‬الطليان‭ ‬من‭ ‬إرسال‭ ‬إلى‭ ‬الأهل‭ ‬البعيدين‭. ‬رسائل‭ ‬موجعة‭ ‬وبكائيات‭ ‬تختفي‭ ‬وراء‭ ‬السطور‭. ‬وهناك‭ ‬أيضاً‭ ‬باح‭ ‬الشاعر‭ ‬الفضيل‭ ‬الشلماني‭ ‬بشعره‭ ‬عن‭ ‬المنفى‭ ‬وقسوته‭. ‬نصوص‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬إلى‭ ‬عودته‭ ‬وصارت‭ ‬ملاحم‭ ‬توثق‭ ‬وتؤرخ‭ ‬لهاتيك‭ ‬الأيام‭ ‬والمنافي‭. ‬ثم‭ ‬اختار‭ ‬الطليان‭ ‬بعض‭ ‬الأماكن‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬منافي‭ ‬للأهل‭ ‬من‭ ‬الداخل‭. ‬مرادة‭ ‬وبراك‭ ‬وغيرهما‭ ‬كانتا‭ ‬صورة‭ ‬لذلك‭. ‬يحكي‭ ‬خليفة‭ ‬الفاخري‭ ‬عن‭ ‬مواطن‭ ‬من‭ ‬مرادة‭ ‬أتى‭ ‬إلى‭ ‬بنغازي‭ ‬وقبض‭ ‬عليه‭ ‬الطليان‭ ‬بتهمة‭ ‬ثبتت‭ ‬عليه‭. ‬وكان‭ ‬الحكم‭ ‬نفيه‭ ‬إلى‭ ‬مرادة‭. ‬وبذلك‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬الفاخري‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬حكاياته‭ ‬الشهيرة‭.. ‬أحياناً‭ ‬يكون‭ ‬الوطن‭ ‬منفى‭ ‬والمنفى‭ ‬وطناً‭ ‬وهكذا‭. ‬الأوطان‭ ‬منافٍ‭ ‬موحشة‭ ‬تغدو‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬التاريخ‭ ‬وصفحاته‭ ‬المتقلبة‭ ‬أو‭ ‬الثابتة‭. ‬المنفى‭ ‬سيرة‭ ‬وقصة‭ ‬وعذابات‭. ‬المنفى‭ ‬سجن‭ ‬ومنفى‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬ذاتها‭. ‬أمران‭ ‬يتلازمان‭ ‬بوطأة‭ ‬ثقيلة‭ ‬على‭ ‬النفس‭ ‬والروح‭.‬

بعض‭ ‬من‭ ‬شباب‭ ‬العائلة‭ ‬التي‭ ‬نفاها‭ ‬الملك‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬ذاق‭ ‬في‭ ‬صغره‭ ‬مع‭ ‬أهله‭ ‬مأساة‭ ‬النفي‭ ‬الخارجي‭ ‬البعيد‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭. ‬تعود‭ ‬على‭ ‬التجربة‭ ‬والدروس‭. ‬تجربة‭ ‬تلد‭ ‬أخرى‭ ‬ودروس‭ ‬تأتي‭ ‬بغيرها‭. ‬والعنوان‭ ‬واحد‭. ‬والنفي‭ ‬في‭ ‬مرارته‭ ‬وعذاباته‭ ‬شيء‭ ‬مزعج‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الإيلام‭ ‬الشديد‭ ‬في‭ ‬القلب‭.. ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬ولحظاتها‭ ‬وأيامها‭. ‬البهجة‭ ‬تختفي‭. ‬الفرح‭ ‬يخمد‭. ‬النفس‭ ‬البشرية‭ ‬تتداعى‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الانهيار‭.‬

نفي‭ ‬زمن‭ ‬الاحتلال‭ ‬وآخر‭ ‬زمن‭ ‬الاستقلال‭ ‬بجريرة‭ ‬أحد‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬من‭ ‬شبابها‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬دفعاً‭ ‬في‭ ‬تزاحم‭ ‬الأضداد‭. ‬وفوارق‭ ‬النفي‭ ‬تختلف‭ ‬بالطبع‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الصور‭ ‬وبكل‭ ‬المقاييس‭ ‬والاتجاهات‭. ‬لم‭ ‬يستثن‭ ‬الملك‭ ‬أحداً‭ ‬إلا‭ ‬القلة‭ ‬ليدوم‭ ‬النفي‭ ‬بعض‭ ‬سنوات‭ ‬ثم‭ ‬يتوقف‭. ‬ولوحظ‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬النفي‭ ‬والإبعاد‭ ‬داخل‭ ‬البلاد‭ ‬بحكم‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬يحكم‭ ‬القضاء‭ ‬أو‭ ‬العدالة‭ ‬ولكنه‭ ‬تم‭ ‬بأوامر‭ ‬ملكية‭ ‬صريحة‭.. ‬لوحظ‭ ‬أنه‭ ‬شمل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬فرع‭ ‬المهدي‭ ‬وأخرى‭ ‬من‭ ‬فرع‭ ‬الشريف‭. ‬ولم‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬أسرة‭ ‬العابد‭ ‬وهي‭ ‬قسم‭ ‬من‭ ‬فرع‭ ‬الشريف‭.‬

وكان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تتواصل‭ ‬الرسائل‭. ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬الملاذ‭ ‬الوحيد‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬الرأي‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬والبوح‭ ‬بما‭ ‬تضيق‭ ‬به‭ ‬الصدور‭. ‬معاناة‭ ‬الإنسان‭ ‬يترجمها‭ ‬الكلام‭. ‬الحرف‭ ‬لا‭ ‬يركن‭ ‬إلى‭ ‬الصمت‭. ‬رسائل‭ ‬النفي‭ ‬الداخلي‭ ‬للعائلة‭ ‬لم‭ ‬يفصح‭ ‬عنها‭ ‬أحد‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬خزانة‭ ‬التاريخ‭ ‬وأسراره‭. ‬وعلى‭ ‬الدوام‭ ‬يكثر‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬معاناة‭ ‬السجن‭ ‬وخواطره‭ ‬وأحزانه‭. ‬أمر‭ ‬قاس‭ ‬ومؤلم‭ ‬هو‭ ‬أيضاً‭. ‬جلاد‭ ‬وضحية‭ ‬وجدران‭ ‬وموت‭ ‬في‭ ‬الحياة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬تنهض‭ ‬الكلمة‭ ‬بين‭ ‬الجدران‭ ‬الصلدة‭.. ‬شعراً‭ ‬ونثراً‭. ‬رسائل‭ ‬وكتابات‭. ‬تهرب‭ ‬أو‭ ‬ترسل‭ ‬ويختفي‭ ‬وراء‭ ‬سطورها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المعاني‭. ‬الرسائل‭ ‬وتجارب‭ ‬السجون‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭ ‬وعلى‭ ‬أعوام‭ ‬مديدة‭ ‬ظلت‭ ‬أيضاً‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬وجهاً‭ ‬من‭ ‬وجوه‭ ‬الإبداع‭ ‬الإنساني‭ ‬رغم‭ ‬لحظات‭ ‬الانكسار‭ ‬والتخاذل‭. ‬تنهض‭ ‬الرسائل‭ ‬في‭ ‬الأصياف‭ ‬والشتاءات‭ ‬وخلال‭ ‬معاناة‭ ‬الوحدة‭ ‬والبعد‭.. ‬تنهض‭ ‬بالواجب‭. ‬وأحيانا‭ ‬القمع‭ ‬في‭ ‬السجون‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬بالبوح‭ ‬أو‭ ‬الكتابة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬الكلام‭. ‬الجدران‭ ‬تضيق‭ ‬ويكاد‭ ‬الصمت‭ ‬الذي‭ ‬يرين‭ ‬عليها‭ ‬ينطق‭ ‬بالنيابة‭. ‬ثم‭ ‬تصير‭ ‬التجربة‭ ‬بعد‭ ‬السراح‭ ‬فعلا‭ ‬يتنفس‭ ‬ويتحرك‭ ‬تجاه‭ ‬كل‭ ‬العيون‭ ‬التي‭ ‬تقرأ‭ ‬وتعيش‭ ‬وتستعيد‭ ‬تلك‭ ‬الصور‭ ‬بكل‭ ‬ألوانها‭. ‬صور‭ ‬تختلف‭ ‬من‭ ‬واحد‭ ‬لآخر‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬خاتمة‭ ‬المطاف‭ ‬تشكل‭ ‬ملحمة‭ ‬واحدة‭ ‬وطيفاً‭ ‬واحداً‭ ‬وسيرة‭ ‬إنسانية‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬كافة‭ ‬الأصعدة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬القهر‭ ‬ويرسف‭ ‬في‭ ‬أغلال‭ ‬العذابات‭. ‬تظل‭ ‬التجربة‭ ‬تغني‭ ‬وتبوح‭ ‬للفصول‭ ‬الأربعة‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ (‬الزوبعة‭).‬

والرسائل‭ ‬هنا‭ ‬تحوي‭ ‬ألماً‭ ‬وعتاباً‭ ‬وتأمل‭ ‬أن‭ ‬يفك‭ ‬الحصار‭ ‬عن‭ ‬العائلة‭ ‬في‭ ‬أماكنها‭ ‬التي‭ ‬استقرت‭ ‬بها‭ ‬داخل‭ ‬الوطن‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬مواقع‭ ‬استقرارها‭ ‬الأصلية‭. ‬الوطن‭ ‬واحد‭ ‬ولكن‭ ‬الإبعاد‭ ‬حمل‭ ‬في‭ ‬جوفه‭ ‬تصورات‭ ‬أخرى‭ ‬تختلف‭ ‬وتتقاطع‭ ‬وتبتعد‭. ‬الملك‭ ‬بسبب‭ ‬الحادث‭ ‬صار‭ ‬في‭ ‬عزلة‭ ‬عن‭ ‬أسرته‭. ‬وهي‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬موالية‭ ‬ظلت‭ ‬بعيدة‭ ‬عنه‭ ‬وانقطع‭ ‬التواصل‭ ‬أو‭ ‬الترابط‭ ‬بطريقة‭ ‬مؤسفة‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬أيامها‭ ‬مثلما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السابق‭. ‬ستتبدل‭ ‬الأمور‭ ‬لاحقاً‭ ‬وتجري‭ ‬الأنهار‭ ‬في‭ ‬مساربها‭. ‬وتعود‭ ‬الأواصر‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬شفيت‭ ‬الجراح‭.‬

رحل‭ ‬أخو‭ ‬الملك‭ ‬وكان‭ ‬ولياً‭ ‬للعهد‭ ‬صيف‭ ‬العام‭ ‬1955‭. ‬كان‭ ‬مقر‭ ‬إقامته‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭.. ‬العاصمة‭ ‬الغربية‭. ‬حزن‭ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬أحزان‭ ‬الملك‭ ‬والعائلة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬انقطاع‭. ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬بأشهر‭ ‬يختار‭ ‬الملك‭ ‬الحسن‭ ‬الرضا‭ ‬ابن‭ ‬الولي‭ ‬الراحل‭ ‬ولياً‭ ‬للعهد‭ ‬وبهذا‭ ‬وعلى‭ ‬ضوء‭ ‬الحادث‭ ‬الذي‭ ‬وقع‭ ‬بالاغتيال‭ ‬وسبب‭ ‬في‭ ‬الشروخ‭ ‬حصر‭ ‬الملك‭ ‬وراثته‭ ‬في‭ ‬فرع‭ ‬المهدي‭. ‬تغير‭ ‬بناء‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬نظام‭ ‬البيت‭ ‬المالك‭ ‬بالكامل‭ ‬وألغيت‭ ‬ألقاب‭ ‬النبلاء‭ ‬والأمراء‭ ‬التي‭ ‬منحت‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬الأسرة‭ ‬وانطبق‭ ‬ذلك‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬سيدات‭ ‬العائلة‭. ‬كانت‭ ‬الملكة‭ ‬تعرف‭ ‬بحرم‭ ‬الملك‭ ‬أو‭ ‬زوجته‭ ‬ثم‭ ‬صارت‭ ‬ملكة‭ ‬وسيدة‭ ‬أولى‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة‭ ‬وبعد‭ ‬الحادث‭ ‬بسنوات‭. ‬تغيرات‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تحصل‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬سداً‭ ‬لذرائع‭ ‬كثيرة‭. ‬الحادث‭ ‬الواحد‭ ‬تنشأ‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬العموم‭ ‬حوادث‭ ‬أخرى‭. ‬مستصغر‭ ‬الشرر‭ ‬يتطاير‭ ‬ويلتهب‭ ‬ويلامس‭ ‬كل‭ ‬الأشياء‭.‬

وإضافة‭ ‬أخرى‭ ‬تداعت‭ ‬مع‭ ‬الأحداث‭. ‬زواج‭ ‬الملك‭ ‬من‭ ‬عالية‭ ‬لملوم‭ ‬صيف‭ ‬1955‭ ‬لم‭ ‬يدم‭ ‬سوى‭ ‬شهر‭ ‬واحد‭. ‬وصلت‭ ‬في‭ ‬سفينة‭ ‬فخر‭ ‬البحار‭ ‬وكان‭ ‬يزفها‭ ‬أحد‭ ‬شيوخ‭ ‬آل‭ ‬السعدي‭ ‬المشهورين‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬ذوي‭ ‬الأصول‭ ‬الليبية‭ ‬وصديق‭ ‬الملك‭ ‬وهو‭ ‬السيد‭ ‬محمد‭ ‬سلطان‭ ‬السعدي‭. ‬كانت‭ ‬تجمعه‭ ‬قبيلة‭ ‬الفوائد‭ ‬في‭ ‬القرابة‭ ‬مع‭ ‬آل‭ ‬لملوم‭. ‬الزفاف‭ ‬تم‭ ‬في‭ ‬غريان‭ ‬كما‭ ‬سبقت‭ ‬الإشارة‭.‬

أحزان‭ ‬الرسائل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬المجريات‭ ‬كانت‭ ‬تأخذ‭ ‬مجرى‭ ‬آخر‭. ‬إحداها‭ ‬كانت‭ ‬شكواها‭ ‬ذلك‭ ‬الصيف‭.. ‬الشهر‭ ‬التاسع‭ ‬1955‭ ‬تلوح‭ ‬بقوة‭.. ‬يقول‭ ‬أحد‭ ‬رجال‭ ‬الأسرة‭ ‬مع‭ ‬إخوته‭ ‬إلى‭ ‬والدهم‭ ‬أيضاً‭: (‬نحن‭ ‬نكتب‭ ‬إليكم‭ ‬الآن‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تنسونا‭ ‬نهائياً‭ ‬إذا‭ ‬يظهر‭ ‬أنكم‭ ‬ابتدأتم‭ ‬تنسوا‭ ‬أن‭ ‬لكم‭ ‬أبناء‭ ‬مغربين‭ ‬معذبين‭ ‬نتيجة‭ ‬ظلم‭ ‬وطغيان‭. ‬نكتب‭ ‬إليكم‭ ‬لنعلمكم‭ ‬أننا‭ ‬في‭ ‬تعب‭ ‬ونصب‭ ‬وأنكم‭ ‬لربما‭ ‬تحسبون‭ ‬أننا‭ ‬منعمون‭ ‬فإننا‭ ‬نعلمكم‭ ‬بأن‭ ‬المعاملة‭ ‬اشتدت‭ ‬علينا‭ ‬والحراسة‭ ‬زادت‭ ‬وأصبحوا‭ ‬يهملون‭ ‬مطالبنا‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬راحتنا‭ ‬الداخلية‭ ‬من‭ ‬نوم‭ ‬وأكل‭ ‬ويقولون‭ ‬أن‭ ‬الملك‭ ‬أمر‭ ‬وأوصى‭ ‬بذلك‭ ‬بل‭ ‬وأشد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬وإنما‭ ‬هم‭ ‬على‭ ‬زعمهم‭ ‬يساعدون‭ ‬ولكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬هم‭ ‬ازدادوا‭ ‬كفراً‭ ‬وشدة‭ ‬وإهمالاً‭ ‬لنا‭ ‬وأصبح‭ ‬كل‭ ‬مسؤول‭ ‬منهم‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يتقرب‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬عذابنا‭ ‬وإهانتنا‭ ‬ويكتبون‭ ‬تقارير‭ ‬كاذبة‭ ‬ونحن‭ ‬منها‭ ‬براء،‭ ‬والله‭ ‬وحده‭ ‬يعلم‭ ‬وأظن‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الحال‭ ‬لا‭ ‬يرضيكم‭ ‬أبداً‭ ‬ولا‭ ‬يرضي‭ ‬أي‭ ‬ضمير‭ ‬حي‭ ‬حتى‭ ‬تسكتوا‭ ‬نهائياً‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬المخيف‭ ‬فالآن‭ ‬وقد‭ ‬مضى‭ ‬عام‭ ‬بأكمله‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬يظهر‭ ‬ويبين‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬أمل‭ ‬وأظن‭ ‬أن‭ ‬سكوتنا‭ ‬نحن‭ ‬أيضا‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬الظلم‭ ‬على‭ ‬أنفسنا‭ ‬بأنفسنا‭ ‬فها‭ ‬هو‭ ‬بن‭ ‬حليم‭ ‬قد‭ ‬رجع‭ ‬ولربما‭ ‬جاءكم‭ ‬هناك‭ ‬ببنغازي‭ ‬وعندكم‭ ‬الوالي‭ ‬مازق‭ ‬والملك‭ ‬قريب‭ ‬منكم‭ ‬فأعملوا‭ ‬جهدكم‭ ‬واتصلوا‭ ‬بهؤلاء‭ ‬وافهموا‭ ‬أمر‭ ‬الملك‭ ‬وما‭ ‬يريد‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭. ‬سننتظر‭ ‬حتى‭ ‬15‭ ‬أكتوبر‭ ‬1955‭ ‬وبعدها‭ ‬أظن‭ ‬أنكم‭ ‬لا‭ ‬تستطيعون‭ ‬أن‭ ‬تلوموا‭ ‬أحداً‭ ‬منا‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬حصل‭ ‬شيء‭ ‬ولعلكم‭ ‬علمتم‭ ‬أن‭ ‬بن‭ ‬حليم‭ ‬منذ‭ ‬مدة‭ ‬أرسل‭ ‬ضابطا‭ ‬الى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬السيد‭ ‬الرضا‭ ‬والسيد‭ ‬بشير‭ ‬يتحدث‭ ‬معهم‭ ‬ومن‭ ‬ضمن‭ ‬كلامه‭ ‬كان‭ ‬يساومهم‭ ‬على‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭ ‬نهائياً‭.. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نعلمكم‭ ‬به‭).‬

وفي‭ ‬صيف‭ ‬1956‭. ‬في‭ ‬30‭ ‬يوليو‭: (‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬الملك‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأوضاع‭ ‬لا‭ ‬يعلمها‭ ‬لأنهم‭ ‬يبلغونه‭ ‬حسب‭ ‬أهوائهم‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬الرد‭. ‬نحن‭ ‬هنا‭ ‬أمرنا‭ ‬عجيب‭ ‬قسمنا‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أقسام‭ ‬قسم‭ ‬سافر‭ ‬إليكم‭ ‬ببنغازي‭ ‬وأعفي‭ ‬عنه‭ ‬وقسم‭ ‬وضع‭ ‬في‭ ‬مصراتة‭ ‬وأنا‭ ‬مع‭ ‬آخرين‭ ‬بمنطقة‭ ‬جودة‭. ‬نحن‭ ‬مثلنا‭ ‬مثل‭ ‬الأسماك‭ ‬في‭ ‬قاع‭ ‬المحيطات‭ ‬ظلام‭ ‬في‭ ‬ظلام‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬من‭ ‬أمرنا‭ ‬شيئاً‭ ‬فليس‭ ‬لنا‭ ‬إلا‭ ‬تفويض‭ ‬الامر‭ ‬الى‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭).‬

تنقطع‭ ‬الرسائل‭. ‬تصير‭ ‬تاريخاً‭. ‬تمثل‭ ‬لوناً‭ ‬من‭ ‬الحزن‭. ‬يعود‭ ‬المبعدون‭ ‬إلى‭ ‬منازلهم‭ ‬الأولى‭. ‬وتظل‭ ‬الكلمات‭ ‬وثيقة‭ ‬مهمة‭ ‬لما‭ ‬دار‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الديار‭.‬

الصيف‭ ‬ثم‭ ‬الأصياف‭ ‬تمر‭. ‬تسير‭. ‬تتجمع‭ ‬الأحداث‭ ‬والوقائع‭ ‬بعد‭ ‬الحادث‭ ‬الذي‭ ‬هز‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬ثم‭ ‬ترك‭ ‬آثاره‭ ‬وتداعياته‭ ‬المحزنة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬يستمر‭ ‬تلاحق‭ ‬المجريات‭ ‬بلا‭ ‬توقف‭. ‬الحادث‭ ‬ظل‭ ‬أساساً‭ ‬لأزمات‭ ‬مقبلة‭ ‬تحيط‭ ‬بالبلاد‭ ‬وتأسرها‭ ‬بحزام‭ ‬من‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأيام‭.‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»