Atwasat

سيرته... يوسف الشريف!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 05 نوفمبر 2024, 04:30 مساء
أحمد الفيتوري

السيرة الغيرية عرفت باعتبارها الوجه الآخر للسيرة الذاتية، التي تنشغل بالذات ويكتبها المرء عن نفسه، فالسيرة الذاتية حسب فيلسوفها فيليب لوجون، ميثاق بين المرء ونفسه، أي وجوده الخاص. أما السيرة الغيرية فهي سيرته، أي تكتبها عن غيرك، وكنت تناولت السيرة الغيرية وكتبت بأن السيرة الغيرية مجهرية، في معرفة الذات البشرية الفاعلة، ما من خلاله، معرفة «ما حدث ما سيحدث»، فإنها إضافة مركزة تُعنى بدور الفرد، والفرد الفاعل في الجماعة، بل وحتى إنها إعادة إحياء لدوره، وبعثه في مهمة تخص المستقبل. بذا السيرة الغيرية، تسقط الضوء على ما يشبه «العقل الباطن»، ما هو مظلم في العادة، وكم يكون في ذلك تحفيز متعدد الأهداف والأغراض، لدراسة موضوعات ذات صلة بصاحب السيرة، ومن هذا فإن الذات في السيرة الغيرية تكون الموضوع، فيتاح لكاتبها ما لا يتاح في السيرة الذاتية، وللقارئ/ الدارس، والقارئ العابر.

تذكرت هذا عند إعادة اطلاعي مرة أخرى، لسبب بحثي، على كتابي «ستون يوسف الشريف»، ما كنت محررًا له، ونشرته في السنوات الأخيرة من القرن الماضي، وما أعده أول كتاب ينشر لي وعلى حسابي الشخصي. وأهم عنصر بالكتاب في تقديري السيرة الغيرية، ما أخذت قسمًا معقولًا من حجم الكتاب، الذي هو أول كتاب ليبي يحتفي بكاتب ليبي بمناسبة عيد ميلاده، وستون الشريف أي ذكرى عيد ميلاده.

عند مراجعة الكتاب لفت نظري السيرة الغيرية، أي سيرة يوسف الشريف التي انحصرت في طفولته، فتذكرت سيرة الكتاب ذاته، ما يعد مني هدية ومن لزوم ما يلزم للاحتفاء بسيرة الكاتب، التي هي محتوى الكتاب ما تعدد كتابه. وما تذكرته فيما يخص سيرة طفولة الشريف، أني قد سجلتها في غرفة بفندق أجنحة الشاطئ بطرابلس، حيث جلست مع الشريف لساعات لتسجيل روايته، فباتت سيرته الذاتية كما رواها، لكنها من ناحية أخرى سيرة غيرية: بفعلي كصاحب المشروع، كسائل فمواجه لمسارها، ثم كمحرر للمادة التي سجلت، فإن كان الراوي يروي أناه فإنني المروي إليه الفاعل الممسك بالدفة.

«عشت في أسرة كبيرة تتكون من عشرة أفراد، وكان الأب أحيانًا يعمل وأحيانًا لا عمل له، وكنت أذهب إلى المدرسة لكن تلك الظروف جعلت أخي الأمين يترك صفوف المدرسة، وتلك كانت تضحية منه أقدرها إلى حد الآن لكني لا ولم أستطع أن أعطيه حقه، كان هو الأكبر فتخلى عن الدراسة وكان ذلك من أجلي ومن أجل الأسرة، وكان الأمين كثير القراءة وله محاولات في الكتابة فيما مضى؛ وقد نشر له الأستاذ علي مصطفى المصراتي موضوعًا عندما كان رئيسًا لتحرير مجلة (هنا طرابلس الغرب)، وشقيقي الأمين لا يكبرني إلا بعامين ولكن ماذا يستطيع هذا الصبي أن يعمل غير بيع الصحف؟ وشاء الحظ أن جارًا عزيزًا لنا كان متعهدًا لتوزيع المجلات المصرية والإيطالية وجريدة طرابلس الغرب التي أخذ أخي يوزعها في كل صباح ليحصل على مليم عن كل نسخة يبيعها، وفي الليل يبيع المجلات الإيطالية. ولهذا كان يأتي ببعض المجلات المصرية إلى البيت ومن هنا كانت علاقتي بالمجلات مصادفة، مجرد مصادفة: ظروف الأسرة الصعبة وترك أخي الأمين للدراسة وعمله كصبى موزع للصحف.

وازدادت ظروف الأسرة بؤسًا، ولست أدرى هل بطلب من أبي أو أخي أو أمي، وجدتني أنا أيضًا مضطرًا لبيع الصحف، لأحصل على مليم إن استطعت بيع نسخة واحدة من الجريدة، وبالتالي عن كل عشر نسخ قرش واحد. وهكذا ولكي نبيع الصحف، فإنه علينا أن ننهض مع أذان الفجر، وقد حدث. وكنا جميعًا أخي وأنا والصبية باعة الصحف حفاة عراة، ننهض في تلك الساعة المبكرة، ثم نمر على ذلك المخبز في حي الظهرة… لنستريح ونطلب الدفء ورائحة الخبز، ولست أذكر الآن اسم الخباز ولكني أعرف موقع المخبز، وكانت أمنيتنا فردة خبز، لذلك كنا نساعد الخباز في أعماله - جمع القش، فالمخبز مخبز قش، ساعدناه وكانت ليالي الشتاء قاسية».

المقطع أعلاه من السيرة في صيغة المتكلم، لكن مرة أخرى، ما جعلها سيرة غيرية، أن المتكلم كما أشرت قاربٌ دفته في يدي، ثم عند الصيغة النهائية كانت السيرة بين يدي، فأعدت نسجها من تقديم وتأخير، تغيير لهجتها من العامية إلى الفصيحة، وهلم. لقد كانت تجربة تدفعك إلى البحث والتساؤل عن ماهية السيرة، فعلائقها بالموضوع كوثيقة من جهة ومن كونها نصًّا أدبيًّا من جهة أخرى، ما يوهم بأنها من أعمال المخيلة لكنها واقعية قح. وأنها في الأول والأخير، البديهة التي بالضرورة تنضح بأشكال النص في درجة الصفر، كما اصطلاح بارت.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»