كتابات المرحوم خليفة الفاخري هي ما تسمى بالإبداع فلا يخفى أنها خلق بمعنى أنها مواضيع هو من ألَّف وأسّس فكرتها وانتقى لها عناوينها وكلماتها، وتقاطع وتواصل جملها لا يستند إلا على فكرة محددة في ذهنه كمبدع ويقدمها بالأسلوب والكيفية التي رآها.
أما كتابات الأستاذ الكبير سمير عطا الله، الذي يتابعه جيلي منذ أن كان يكتب في جريدة «الحقيقة» في ستينيات القرن الماضي حتى الآن، منهم على سبيل المثال الأستاذ رجب الشلطامي، فكتاباته ما زالت شائقة وتعتمد بالدرجة الأولى على قراءاته، وهذا ما يحتاجه كُتاب المقالة الصحفية المحدد وقت لنشرها، في الغالب أسبوعيا، وبالتالي يتعين إيجاد فكرة لها كقاعدة، أو لنقل أساس وبالطبع لا يتحقق انتظام كتابات المقال الأسبوعي على الإبداع فقط، ولكن على القراءة وبالتأكيد سيجد كاتب المقال فكرة أثناء قراءته يؤسس عليها مقالته.
هذا الصباح قرأت أنه في إنجلترا قبل عصر النهضة، أي ما قبل القرن الثامن عشر، كان الإعدام عقوبة جريمة النشل، وينفذ في ساحات المدن ليعتبر المواطنون! فتحتشد الجماهير لمشاهدة تنفيذ العقوبة، وكانت الغاية هي ردع من تسول له نفسه أن يفكر في النشل، ولكنهم اكتشفوا أن النشالين المتمرسين لم يرتدعوا من استعراض العدالة، بل وجدوا أن التجمع والتربص من فوق الأكتاف لرؤية التنفيذ، هي فرصة جيدة لتنفيذ مهارات نشلهم!
الأرجح أنني قد قرأت في جريدة الأهرام، من فترة ليست بقصيرة مقالا، عن السرقة في اليابان، التي تعد صاحبة أدنى معدل جريمة في العالم، ولكنها تعاني من كثرة جرائم سرقة الدراجات! التي يقدر نسبة من يستخدمها من اليابانيين أكثر من 54% من مواطنيها، وأن الشرطة اليابانية تلقت سنة 2018 أعددا هائلة من بلاغات وُثِقت بأنها 184 ألف بلاغ عن سرقة دراجات، ولم تنجح إلا في استرداد 12 ألف منها، ومن غرائب معالجة هذه الجرائم اليابانية، قاموا بحلول طريفة منها تصنيع حامل دراجة على شكل (وجه إنساني) متذلل وكأنه يستجدى السارق أن يتركها، وحقق نتائج جيدة، وابتكروا أيضا ملصقا يبين أن الدراجة يمكن تتبعها بجهاز تحديد الأماكن (GPS).
سلطت دراسة جديدة أجرتها شركة تأمين السفر Quote Zone – ومقرها المملكة المتحدة الضوء على أن عديد الوجهات الأوروبية الشهيرة هي نقاط ساخنة للنشالين. فجاءت تقييمات الزوار لأفضل خمس مناطق جذب سياحي في كل دولة أوروبية، ولكنهم وجدوا أن نسبة النشل فيها عالية.
وكانت إيطاليا في المقدمة مع أعلى نسبة من أي بلد في جميع أنحاء القارة، تليها فرنسا وإسبانيا، ووجدت أن هناك 478 إشارة نشل لكل مليون زائر بريطاني إلى أهم مناطق الجذب السياحي. وفي باريس برج إيفل، أما أمستردام هي موطن لأسوأ أماكن النشل في هولندا.
النشل جريمة مزعجة، تناولها طبيب علم النفس الأميركي الكبير (كارل ميننجر) صاحب القول الشهير: إن التحدي المؤدي إلى التعاسة والمعاناة هو أن (جعجعة الخوف تغلب تغريد الذكاء) فالخوف من أن تنتشل وأنت في إجازة يحرمك من متعتها، وله رأي آخر بدأ العالم ينتبه إليه وهو عقاب المجرمين - النشالين، على سبيل المثال - بالسجن، أي سجن، عن أية جريمة - لا نتائج مرجوة منه، سيقضي المجرم فترة سجنه ويخرج أكثر إجراما!
ويرى أن الصحيح هو علاج جريمته باعتبار أنها مرض! تماما مثلما تعالج الأمراض العقلية! وبالمناسبة، قال إن أحد أصدقائه متعته أن يلتقط -يسرق- أي شيء، قطعة حلوى، أو قلم رصاص أي شيء، وبعد أن اتفق معه على علاجه، انتظموا معا في برنامج علاجي، حتى تخلص صديقه من تلك الحالة.
يقول الدكتور (كارل) إن السرقة يجب أن تتعالج على أساس أنها مرض وليست جريمة، بل يقول أيضا إن الجريمة في ذاتها في غالب أسبابها مرض، وعلينا أن نتعامل مع حالات النشل والسرقة على أساس أنها مرض وليست جريمة! ومع ذلك أتفق مع الكثيرين منكم، أيها الأصدقاء، أن ما نسمع عنه الآن في بلادنا يعد سرقة - عيني عينك!-
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات