وكما كان يحدث في سجن «الحصان الأسود» ثم في سجن «بوسليم» يلتقي السجناء السياسيون من حين لآخر، ليناقشوا أوضاعهم وأوضاع البلاد، والأهم أوضاع حقوق الإنسان في ظل إدارات «السجن المفتوح» الجديدة والسجن الجديد الذي يعيشون فيه، هذا السجن الكبير والمفتوح الذي يتمتعون فيه بهوامش التنقل والكلام وحتى الزواج والطلاق وإنجاب الأطفال، فالإدارات الجديدة أكثر انفتاحاً وإنسانية وحافظت على ما منحه النظام السابق للسجناء من حقوق بعد إطلاق سراحهم، ومنحتهم أيضاً حق انتقاد وحتى شتم النظام السابق وإدارات سجونه السابقة، لقد ألغت بعض خطوط ذلك النظام الحمراء ورسمت خطوطها البنفسجية حيث يمتزج صفاء الأزرق بالأحمر، إنهم يلتقون أحياناً بمختلف أفكارهم ومناطقهم، يجمعهم الماضي والمصير، يلتقون كما كانوا في باحة «جمعية سجناء الرأي» أو في مقاهي الوطن أو في منافيهم الجديدة، بالضبط كما كانوا يلتقون خلف جدران العزل والنكران، يلتقون للمطالبة بحقوقهم كسجناء رأي في السجن الجديد المفتوح، حقوقهم في المعاش والعلاج والضمان، حقوق أي سجين وإن كان خارج السجن.
سيقول الكثيرون إنه جرى تعويضهم على سنوات سجنهم «كما نص قانون 50 الصادر عن الإدارة الجديدة»؛ ولكن الحقيقة أن ذلك لم يجر إلا لبعض الحالات والأفراد، فلم تتسلم غالبية السجناء مليماً واحداً «أنا أحدهم» وغالبية من جرى تعويضهم جرى بأحكام قضائية صدرت من قضاء النظام السابق وكانت منصفة، أما قانون الإدارة الجديدة فلم يستفد منه إلا البعض.
«جمعية سجناء الرأي» ظلت ومنذ تأسيسها بعد ثورة فبراير تناضل لتحقيق أهدافها وأهمها الدفاع عن سجناء الرأي في ليبيا، سواء إن كانوا سجناء سبتمبر أو فبراير، وزارت السجون للاطلاع والمطالبة بحقوق سجناء النظام السابق، وتطبيق القوانين واحترام حقوق الإنسان بغض النظر عن التوجه الفكري والسياسي، بالطبع الحكام الجدد لم يلقوا بالاً لكل ذلك، بل همشوا الجمعية وغالبية السجناء السابقين واعتبروهم مرضى «كما اعتبرهم النظام السابق» يعانون «متلازمة استكهولم» التي اخترعها نظام الطغيان الأوروبي لوسم كل متعاطف من مجتمعهم مع حركات الرفض والتحرر بالمريض النفسي.
إدارة السجن الليبي الجديدة وعبر الدعاية سعت لتهميش وإلغاء هؤلاء وإقصائهم من المشهد السياسي بل وتصنيفهم كإرهابيين ومتطرفين وعلمانيين ملاحدة أحياناً، ووصل الأمر إلى تصريح أحد وزرائها بالحاجة لإعادة السابع من أبريل ومشانقه.
كان موضوع المصالحة الوطنية وشروطها وضرورتها من أهم أهداف الجمعية ومهامها، بل إن أعضاءها هم الأولى بمناقشتها والمشاركة في صياغة قوانينها وحواراتها، ولكن جرى تهميش أصحاب الحقوق هؤلاء من هذا المشروع الوطني الذي هم ركن هام من أركانه.
الإعلام الليبي وقنواته ومواقعه الإلكترونية وجرائده غيبت هذه الجمعية وهؤلاء السجناء السابقين من المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي.
النكران والتهميش، بل والإلغاء، أو بوضوح أكبر «الاعتقال الجديد» ظل سياسة الإدارة الجديدة تجاه هؤلاء، الذين عارضوا من داخل البلاد وتكلموا زمن تحريم الكلام ودفعوا ثمن ذلك سجناً وتعذيباً وضياع مستقبل، لتستمر معاناة وعذابات غالبيتهم بعد التغيير وسيطرة الإدارات الجديدة.
كان بالتأكيد بإمكان هؤلاء الضحايا أن يصطفوا مع المصطفين، وأن ينغمسوا مع المنغمسين في كارثة التقسيم والتخريب للبلاد، وأن يكونوا أبواق فتنة الخراب، لينالوا كسرة من خبز الشعب المسروق، وسلطة من الوهم الذي يستمتع به الواهمون بالحكم والسيطرة، اصطف بعضهم بالتأكيد ونالوا ما نال غيرهم، ولكن أولئك المصطفين من هؤلاء السجناء لا يمثلون إلا القليل منهم، وظلت غالبيتهم تعيش سجن ما بعد السجن، فقيرة مهمشة، معتقلة تعاني قيودها الثقيلة.
ما هذا بعرض حال لما يعانيه هؤلاء في شيخوختهم وبقايا أعمارهم التي نخرتها السجون والمعتقلات؛ بل هو دعوة لهم ولما تبقى فيهم من جمرة الرفض والتمرد للوقوف كما كانوا يقفون داخل المعتقلات، مطالبين بالحقوق، مدافعين عن حرية الإنسان وحقوقه الأساسية، وإننا ومن تجاربنا المريرة تعلمنا أننا واحد و«إن تعددت مشاربنا وأفكارنا ومعتقداتنا» ضد التهميش ومصادرة الحق في الحياة والمشاركة في بناء الوطن، فلا بد من ليبيا وإن طال النضال.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات