تميز نمط الإنتاج المديني المعتمد على التجارة والصناعات التقليدية، ونمط الزراعة المروية بحضور السوق تقريباً في كل مناطق غرب ليبيا، من سوق العلالقة في صبراتة غرباً إلى أسواق مصراتة، ولكن أكبر عدد من الأسواق كان موجوداً في طرابلس القديمة أو قريباً منها، مثل سوق الترك وسوق الرباع وسوق اللفة وسوق الفرامل وسوق القزدارة وسوق المشير وسوق الحوت، بالإضافة إلى سوق الثلاثاء وسوق الجمعة خارج الأسوار، وهي أسواق قديمة ومتخصصة تبيع بضائع محددة، والسوق هي أنسب مكان لتراكم ونمو رأس المال، كما أنها المكان الذي تلتقي فيه جميع أنماط الإنتاج، ففيه يلتقي القرصان والنخاس والتاجر البحار وتاجر القوافل والمزارع والراعي والسمسار، وبائع الجملة وبائع القطاعي، كما يرتاده حتى البدال وهو البائع الجوال، الذي يلف القرى ويبادل بضاعته بما تنتجه القرى بنظام المقايضة، وكان معظم من يمتهن هذا العمل من اليهود.
جنوب العزيزية والسبيعة وسهل جفارة ينتهي هذا النمط، حيث تنتهي مزارع الحمضيات والزيتون والخضار، وتبدأ الأرض في التصحر وتبتعد المياه الجوفية، وفي هذه المنطقة تختفي السوق وتظهر الآبار، من بئر الأسطى ميلاد وبئر الغنم إلى بئر معمر وبئر احنيش جنوب الزاوية، وهي منطقة ضيقة لا تصلح إلا لرعي الماشية الصغيرة وزراعة الشعير، قبل أن تبدأ الأرض بالارتفاع مشكلة الجبل الغربي، وكلما اتجهنا غرباً في قدم الجبل تتسع الأرض شبه الصحراوية، لتكون مرعى مناسباً لقطعان الإبل حيث تتواجد قبائل الصيعان والنوايل في ليبيا وتونس، وهي قبائل كبيرة إذا ما قارناها مع رعاة الماشية الصغيرة مثل الحرارات والرقيعات، وتتجاور قبائل غريان والزاوية في هذه الأراضي، حيث يقصدها الجانبان لزراعة الشعير، فأهالي غريان لا يضمنون أن الأمطار ستهطل بما يكفي على أراضيهم جنوب غريان.
ولذلك امتلكوا هذه الأراضي شمال الجبل للاحتياط وهي المنطقة التي تسمى قطيس، قبل أن تصادرها السلطات وتؤسس مشروع وادي الحي الذي كان يسمى وادي الميت نسبة لإحدى عائلات طرابلس، وفي موسم الحصاد يلتقي أهل الزاوية وأهل غريان لحصاد شعيرهم، وهكذا تلتقي ثلاثة من أنماط الإنتاج في مكان واحد ولو لعدة أسابيع، نمط الزراعة المروية «الزاوية»، ونمط الزراعة البعلية والرعي «غريان»، ونمط الرعي «حرارات ورقيعات وقبائل أخرى أصغر».
وقد يحدث احتكاك حول الآبار وخاصة عند سقاية قطعان الماشية، ولكن العلاقة حول البئر ليست مثل العلاقة في السوق، قد يحدث فيها تبادل ولكنه ضئيل وسريع ولا ينتج عنه تراكم ولا حتى علاقات مصاهرة، ثم يختفي مزارعو الشعير ولا يظهرون إلا أياماً معدودة في الخريف لحرث الأرض، إذا أمطرت بما يكفي في الأراضي القبلية، التي يتقاسمها عند الحرث الحاضرون من القبيلة، مثل الأراضي القبَلية التي كانت تتقاسمها قبائل غريان في الجنوب في القضامة والأجباب حتى رويس الطبل، حيث تنتقل ملكية الأرض لقبائل أولاد بوسيف وورفلة والزنتان، وفي ورفلة تتقاسم قبائلها نمطين من الإنتاج، فالقبائل المطلة على الوادي تمارس الزراعة البعلية ولكن على المطر الذي يهطل على الجبل ويندفع في الوادي، حيث نجد أشجار الزيتون المعمرة ويمكن زراعة بعض الخضروات، أما القبائل البعيدة عن الوادي فقد استثمرت في الماشية الصغيرة، أما القبائل الموجودة على الأطراف فقد استثمرت في الإبل وخاصة في وادي تنيناي.
لا تسمى أسماء المناطق فوق الجبل باسم الآبار، وإنما تسمى بأسماء تاريخية موروثة وأحياناً بأسماء العيون وهي قليلة، والبئر في الجبل ليست بئراً ارتوازية مثل الآبار الموجودة شمال الجبل، وإنما آبار لتخزين مياه المطر، وإذا احتبس المطر عدة سنوات متوالية تجف الآبار، ويتزاحم الناس على العيون القليلة ويختل الأمن، وعندها يفكر الناس في الهجرة وترك المكان، وبالتالي فالاقتصاد هنا هش ومعرض لتقلبات دراماتيكية، وإذا احتبس المطر في الجبل تتأثر كل المنطقة بما في ذلك ورفلة ومسلاتة وربما تقاوم ترهونة أكثر من غيرها، والسوق الأسبوعية موجودة بوفرة في كل مناطق غريان وككلة وقرى الأمازيغ والرجبان والزنتان وصولا إلى مزدة، وهي أسواق أسبوعية تبيع الحبوب والخضروات والفواكه والصوف والجلود والبهارات والشاي والسكر، ولكنها لا تصل إلى مستوى أسواق نمط إنتاج الزراعة المروية، وفي هذه القرى يتجول البدال اليهودي على حماره، حيث تتبادل معه النساء البضائع.
فيأخذ منهن البيض والمصنوعات الصوفية وكل ما زاد عن حاجتهن مقابل بضائع متنوعة وغالباً احتياجات نسائية، وبإمكانه إحضار حتى حليب الغولة إذا أوصته إحداهن، فهن فقط من يشتري منه ولا يتحرجن من كشف وجوههن أمامه والترخص معه في الكلام، وخاصة إذا طلبن أشياء نسائية يتحرجن في طلبها من أي رجل آخر.
السوق محمية بالقانون ومحروسة بمسلحين يتولون حراستها، وهو المكان الذي تعلن فيه السلطة عن حضورها، ففيه تدق الطبول وتتلى الفرمانات وتطبق فيه العقوبات بالجلد وأحيانا بالشنق، وبالقرب منه توجد المحاكم وأماكن التقاضي، ولهذا فسكان السوق أكثر احتراماً للقانون وإذعاناً للسلطة، كما تكثر المساجد والزوايا الدينية والخلوات لتعليم القرآن، بينما تكثر في الجبل أضرحة الأولياء الصالحين بالإضافة إلى المساجد الموجودة في كل قرية، لكن الزوايا الدينية متباعدة وأقل حضوراً من نمط إنتاج الزراعة المروية، أما في منطقة الآبار ونمط الإنتاج الرعوي فيغيب القانون، وعندها يقولون «عد تريسك واورد الماء».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات