«منضدة قصية معزولة، لشخص واحد، في صالة مبهجة ومزدحمة..». وتصدع الموسيقى فيما تتداعى ذكرياتك الجميلة حد الحزن، فكيف يتسنى لك عودة حقيقية إليها! الموسيقى ما زالت كما هي.. مبهجة، والرقص متواصل، ولكنك لم تعد ترى، ما كنت قادراً على رؤيته في عتمة المكان. لم يعد لك سوى متعة السمع! التي تأخذك إلى حزن جليل كلما تذكرت بهجتها، ورشاقة الراقصات على إيقاعاتها!
الموسيقى تظل كما هي شجية مبهجة، وكلمات الأغاني لم تتغير، وإنما أنت من تغير. لم تعد أنت كما كنت. لم يبق لك سوى ذكرياتك المبهجة، ولكنها تأخذك، بهدوء، إلى حزن جليل».
«منضدة قصية معزولة، لشخص واحد .. » ترجمة لكلمات أغنية كثيراً ما أثارت فينا حزناً لا داعيَ له، فلقد كنا شباباً، وما كان لنا، حينها، من سبب يأخذنا إلى حزن.. إنما الآن لنا ألف سبب، فمن بمقدوره أن يعيد نصف قرن مضى من حياته؟ لعلها حكمة تهيئك لمرحلة لم تكن تتوقعها تماماً!
انفعالنا، آنذاك، يا صديقي العزيز حالة مفتعلة، إنما الآن، الحزن حقيقي، فلقد قل الشبح عن العيون، وعجزنا حتى عن رؤية الراقصين، ولم يعد في القنديل زيت.
حزننا كان بسبب أقوال عديدة، حفظناها لمن كنا نقرأ لهم من الكتَّاب الغربيين، كان ذلك بسبب تخصصنا، وأيضا لمجاراة (كولن ويلسون في رحلة ضياعه في أزقة وحانات (سوهو).
ظللنا نعتقد أن أقوال الكتاب والمفكرين الغربيين بليغة ودقيقة وتعبر عما في صدورنا، لعلنا كنا في تلك الفترة اقتربنا من عقدنا الثالث. وظللنا طويلاً مأخوذين بأقوالهم، هذا (جون شتاينبك) يقول من تجربته (من تشرد مرة تشرد إلى الأبد). وهذا هيمنجواي يقول: (السعادة عيد متنقل ليس له تاريخ ثابت) وأن (الحرب مهما كانت مبرراتها مجرد جريمة) و(أن الأصم الصامت أفضل بكثير من أصم ثرثار..). كثيرة هي الأمثلة، التي عرفتها وظللت طويلا أرى أنها البلاغة الحقيقية، إلى أن عرفت المتنبي.
ثم وصلت عُمرا، لم يمض منه يوم من دون أن أسمع من الراحل خليفة الفاخري بيتاً من أبيات المتنبي، ولم أقف ساعة مع جاري وصديقي الراحل سعيد العبار، ولم أسمع غناوة علم حتى نفترق وتزداد حصيلتي أغنية علم جديدة، هذا العلم الذي أسماه الأديب الراحل خليفة التليسي قصيدة البيت الواحد. وهو الموضوع الذي ما زلت أتمنى على الأستاذ الراوية الشاعر سليمان الساحلي أن يعجل بإصدار دراسة والده المرحوم علي الساحلي التي قارن خلالها شعر المعلقات بأغاني العلم، التي أنتقى لكم بعضاً منها، أرى أنها بليغة جداً:
«غلاك كيف الكيف، وكيف ننساك يا كيف خاطري». توظيف الحرف بيت شعر يسمى في الأدب الإنجليزي (Alliteration) وفكرته أن يتكرر الحرف في مطلع كلمات البيت، ففي قصيدة: (Poison Tree) الشجرة المسمومة التي يقول فيها على لسان الثعبان الملتف حول ساق الشجرة: - And I sunned it with smiles, And with soft deceitful wiles-
خذ التفاحة تناولها، فلقد أنضجتها بابتسامات وأمنيات، مضيفاً حرف (S) ليبدو بنطقه كحفيف الثعبان، وبسبب ذلك تعد أبلغ أشعاره، وها هو صاحب أغنية العلم يكرر ببلاغة وموسيقى شعرية حرف الكاف، الذي يعد حرف التساؤل والعجب.
وعرفت من الفاخري -رحمه الله- أن من يضاهيه في حفظ أشعار المتنبي، في بنغازي هما الأستاذان: عبدالقادر غوقه ومفتاح الدغيلي.
ولماذا أحدثكم عن هذه المعلومات التي لا أشك أنكم تعرفونها، لأنني ببساطة وددت أن أكتب شيئا احتجت أن أقتبس له بيت شعر يلخصه، أريده أن يعبر عن نفسيتي صباح اليوم، وهو بالمناسبة أول أيام هذه السنة المباركة، التي غالبا ما يبتدئها المرء بتفاؤل وبقلب يمحو منه الخبث، والحزن والزعل، وكدت أن أنتقي بيتا لا يتناسب أبداً وهذا اليوم المبارك فدعونا نبحث في أشعار المتنبي المبهجة، فقط، عن هذا الذي أريد أن أستثمره كبداية مبهجة لهذه السنة المباركة بعون الله.
ولم أرَ في عُيوبِ الناس شَيئاً ... كنَقصِ القادِرِينَ على التَّمامِ
والحقيقة أنني وجدت كلمة (شيئا) في هذا البيت في أكثر من موقع، مستبدلة بكلمة (عيبا) وعلى الرغم من أنني أراها أنسب، إلا أنني لا أستطيع أن أجزم بقوة رأي لأن مثل هذه الأمور البسيطة، هي ليست كذلك، فاللغويون الإخصائيون، لديهم بالتأكيد ما يقولون عن سبب اختيار الشاعر لكلماته.
أما البيت الثاني الذي أخذني هذا الصباح فهو:
«إذا نلتُ منكَ الود فالمال هَين، وكُلّ الَذي فوَقَ التُرابِ ترابُ»
البيت جميل وبليغ، وكل ما نحتاجه لتأكيد بلاغته، هو أن نفكر عما يريده الصديق، من صديقه، أثمن من الود.. الود الحقيقي، وإن كان المرء لا يستطيع أن يتنكر أن المال ليس (هيناً) ولكنه عندما يكون في يد القادرين على الكمال لِمَ لا يكون مصاحباً للود؟ كل عام والمودة والثراء النفسي يحيط بكم وبرفاقكم وجيرانكم وأبناء وطنكم.. وبالإنسانية كافة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات