Atwasat

نحن وكوريا ونوبل للآداب

منصور بوشناف الخميس 17 أكتوبر 2024, 05:30 مساء
منصور بوشناف

ما إن خرجت كوريا الجنوبية من حربها ضد كوريا الشمالية باقتصاد مدمر ودولة متخلفة عام 1961م حتى سيطر العسكر على كل شيء فيها.

كان الجنرال «بارك» وهو عسكري من مخلفات الاحتلال الياباني لكوريا قد تربى على عقيدة يابانية تقدس القومية وسيطرة الدولة على كل شيء؛ لذا وبعد استيلائه على الحكم لبلده المدمر اقتصاديًا وسياسيًا والمفتت اجتماعيًا، شرع في تأسيس نظامه الشمولي، نظام يعادي الشيوعية «بنزعته القومية المتطرفة» ولا يتبع النظام الأميركي باقتصاده الحر وليبراليته السياسية، ولكن لا بأس به بالنسبة «للعم سام» في مواجهة الكوري الشمالي الشيوعي.

«بارك» وفي سنوات قليلة حقق المعجزة الاقتصادية الكورية بنظامه الشمولي، وقد يذكرنا بمنجزات «الشمولي ستالين» في الاتحاد السوفيتي، إنها معجزة «نهر الهان» كما تسميها الصحافة وحتى كتب التاريخ، تلك المعجزة التي قفزت بكوريا الجنوبية من صفوف الدول الفقيرة المتخلفة إلى صفوف الدول المتقدمة اقتصاديًا.

هذه الإنجازات لم تستغرق من نظام «بارك» الشمولي إلا عقدًا واحدًا من الزمن، مما جعل ثقته بنفسه وبنظامه تبلغ حد اليقين وأن الشعب الكوري لا يحبه فقط بل يقدسه ولن يختار غيره للبلاد والعباد رئيسًا ويفحم بالسماح بانتخابات رئاسية في بلاده، كل القوى والدول التي تسوق أن الشعب الكوري الجنوبي يتطلع للديمقراطية ويرفض نظام «بارك» الشمولي.

نتائج الانتخابات التي جرت عام 1972م صدمت الجنرال «بارك» فقد اكتشف أن جزءًا كبيرًا من الشعب لا يقدسه، بل لا يحبه وصوت لإسقاطه، اكتشف مصدومًا أن هذا الشعب ناكر للجميل وكافر بالنعمة، لذا شهر ديكتاتوريته بكل عنفها وخنق كل مظاهر الحرية، والتعبير والتظاهر، وزج بكل من يخالفه في سجونه المرعبة، وأصدر دستورًا يمنحه حق البقاء في السلطة إلى الأبد، وليحكم بقانون الطوارئ. ولكنه اغتيل نهاية عام 1979م ليتسلم بدله عسكري أكثر تزمتًا وتطرفًا.

عام 1980م تفجرت احتجاجات الطلاب ضد الجنرال «باني كوريا الحديثة» ووارثه المتزمت وكان رد الجنرال الوارث بأشد أدوات القمع تخلفًا ووحشية، القتل في الشوارع بأسلحة وأفراد الجيش الوطني، ولكن الشعب تضامن مع الطلبة بل دخل الناس في مواجهات مسلحة ضد العسكر.

قضى العسكر على الانتفاضة وقتل العشرات من الطلبة ومسانديهم، وهدأ كل شيء في كوريا وغطت مصانع كوريا الجنوبية على كل جرائم نظامها الشمولي، ليوقظ كل تلك العذابات وكل أرواح الضحايا من الطلبة وصول ابنة الجنرال «بارك» للسلطة عام 2013م ، لتكون رواية «عودة الصبي» وهو العنوان الكوري للرواية أو «أفعال بشرية» وهو عنوان الترجمة الإنجليزية للرواية للكاتبة الكورية الجنوبية «هان كانغ» الحائزة على نوبل للآداب لهذا العام، التي تعيد إلى الحياة أرواح أولئك الضحايا وتاريخ تلك المجازر.

قد تكون الرواية مرثية لتلك الأرواح، وقد تكون «جورنيكا» عن تلك المجازر ولكنها بالتأكيد تأكيد بأن لا شيء ينسى ويموت وينتهي بالتقادم، فأطياف الضحايا تظل ترفرف أمام عيوننا وفي كوابيسنا وإن تناسينا وتظاهرنا بالنسيان.

كل الذي سردته بأسى وحزن «هان كانغ» عشناه بتفاصيله في ليبيا وفي غالبية دولنا العربية في نفس المرحلة وفي ظروف شبيهة، الفرق الوحيد والجوهري بيننا وبينهم هو أن جنرالهم «بارك» حقق نهضة صناعية مبهرة واقتصادًا متقدمًا، وغادر مقتولًا كما جنرالاتنا تاركًا خلفه مقابر وجثت ضحايا وأيضًا أصوات مصانع واقتصادًا منافسًا وقويًا ولم يترك جنرالاتنا إلا خردة من الدبابات المستوردة والمصانع العاطلة واقتصاد الفساد، ولم يترشح أي من كتابنا «لنوبل للآداب» إلا من كتب عن معاركنا مع «الميتافيزيقا» والعدمية الحضارية.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»