حين أصبح الصبح في اليوم الثالث من الشهر الثالث من العام 1988، وقيّض الله لنا الحياة، عدنا إلى الدنيا التي اختُطفنا منها عنوة وبلا ذنب. غادرنا بعد محنة سنوات مرّة، نفقاً معتماً كريهاً أطلقوا عليه اسم «سجن بوسليم». ولدى العودة، تبين لنا أن الدنيا قبل السجن غير الدنيا بعد مغادرته، والناس غير الناس. وأننا إن أردنا العيش بينهم، علينا التأقلم والتكيُّف مع الأوضاع الحياتية التي قابلتنا ويحترقون بنارها، أو اختيار العزلة حصناً، أو اللجوء إلى خيار الهجرة.
أغلبنا اختاروا البقاء ودخول المعركة عملاً بالمثل: «موتك في العشرة كرامة». وأقلنا قرروا اعتزال الناس والدنيا، والعيش عيش النسّاك والزّهاد، وارتضوا بالوحدة أنيساً، أو حزموا حقائبهم على عجل، وألقوا بتلويحة وداع لأهلهم وأحبابهم ولبلاد أحبوها ولم يجدوا فيها مكاناً لهم، وغادروا غير نادمين إلى غربة في بلدان بعيدة، بحثاً عن حياة جديدة، وسماء بلا قضبان، وعن هواء غير ملوث بشعارات الأيديولوجيا والقمع.
في تلك الفترة الزمنية المعتمة من تاريخ ليبيا المعاصر، راجت مهنة الحدادة، وأضحى الحدادون عملة نادرة من الصعب الحصول على خدماتهم لكثرة الطلب، واجتهدوا في جمع الأموال مقابل تسخير جهودهم وخبراتهم الحدادية، في تحويل بيوت الليبيين إلى سجون، بأبواب ونوافذ حديدية. انتشار اللصوص والسراق، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، التي أوجدها النظام السابق، اضطر الناس إلى حماية بيوتهم من اللصوص بقضبان الحديد، والمبالغة في بناء الأسوار العالية في ظاهرة لم تشهدها البلاد.
تلك الظاهرة ما زالت آثارها سارية المفعول إلى وقت الناس هذا، ومن المنتظر أن تشهد نهايتها خلال هذه الفترة، وتحديداً، عقب ظهور وانتشار حكاية الساحر الذي ادعى أنه عاش في بيت أسرة ليبية، وبين أفرادها، مجاناً، لمدة تسعة شهور من دون علمهم.
ظهور الساحر على النحو الذي سمعناه، يحمل أخباراً سيئة لمهنة الحدادة، ولمن يحترفونها. وربما يؤدي إلى كسادها ويضطر محترفوها إلى البحث عن مهنة أخرى يتعيّشون منها. إذ تبين بوضوح أنه لا جدوى من الحرص على وضع أبواب للبيوت ونوافذها، وحمايتها بقضبان حديدية. ففي مجتمع يصدق أن بإمكان بني آدم، من لحم ودم، العيش وسط أسرة لمدة تسعة أشهر كاملة من دون علمهم، لا معنى مطلقاً لوضع أبواب خشبية أو حديدية على مداخل البيوت ونوافذها، في وجود أمثاله ممن لديهم القدرة على قهر قوانين الطبيعة، والتسلل إلي البيوت الآمنة، والعيش فيها مع ساكنيها، من دون أن يراهم أحد، ومن دون أدنى مراعاة لحرمتها وحرمة ساكنيها.
حكاية العالم يتغير لا يختلف عليها عاقلان. الاختلاف يكون حول نوعية التغير وفي أي اتجاه. والواضح أن المؤشر الذي يشير نحو تحرك مجتمعنا إلى الأمام والتطور لا يبعث على الثقة. بمعنى أنه ربما يتحرك إلى الأمام على المستوى المادي في الحياة. أي أننا نقود سيارات جميلة وأنيقة وغالية الثمن، ونسكن في بيوت ودارات وعمارات لم يعرفها آباؤنا وأجدادنا، ونسافر إلى قارات العالم سياحة وتجارة ودراسة وعلاجاً، لكن التطور ظل وقفاً على تلك المناحي ولم يصل إلى العقول. إذ لو حدث ذلك، كيف يمكن لشخص مريض نفسانياً وعقلياً بكافة المعايير والمقاييس، مكانه مستشفى الأمراض النفسية، أن يدعي ما ادعى، ويصدقه الناس؟ وما الفائدة يا ترى من وجود هذا العدد الهائل من المدارس والمعاهد والجامعات؟ وكيف يطيق الناس بعد الآن العيش في بلاد تشتهر بها أسواق بيع الأوهام، وتروج بها تجارة السحر والشعوذة، ويعلو فيها مقام السحرة والمشعوذين، وفي الوقت ذاته تضيق، حتى تصير كخرم إبرة، أمام العقل والمنطق؟
وبالطبع، وللإنصاف، السحر والشعوذة لا جنسية لهما، ولا وطن. وينتشران في قارات العالم وبلدانه. لكني إلى حد الآن لم أسمع بما حدث في ليبيا. إذ بشيء من الصبر، والضغط على العقل، يمكن التورط في نقاش حول ظهور قنفذ يتكلم، شرط عودة نبي الله سليمان إلى الحياة. ومن الممكن كذلك، تصور معزة تطير، فالماعز شياطين تمشي على أربع، وتفعل الأفاعيل. أما أن يتسلل شخص إلى بيت عائلة، ويعيش معهم تسعة أشهر كاملة، بالتمام والكمال، فذلك ما لم نره أو نسمع به من قبل.
وفي عالم كالذي نعيش فيه، يظل من حق أي شخص أن يدّعي أي شيء. فالجنون فنون. لكن لا يتوقع من الناس تصديقه والمسارعة بشراء بضاعته. وإن حدث وصدقوه، فذلك يعني أن المجتمع ليس بخير مطلقاً.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات